|
تتجلى القدرات الإبداعية للعقل السياسي السوداني في استحداث الشعارات السياسية وصناعة هياكل نظرية تعبوية لها بشكل بارع يوهم المواطن العادي بأن الشعار قد
|
|
|
أصبح حقيقة ماثلة أمامه... وفي ذلك يتساوى أهل السياسة في السودان بمختلف انتماءاتهم الحزبية وتوجهاتهم الفكرية... وهذه القدرات الإبداعية ترتبط بإحدى السمات الرئيسية للعقل السياسي السوداني وهي "كثرة الكلام وقلة العمل"... فلو كان الساسة في السودان يفعلون ما يقولون منذ يناير 1956م لكان السودان الآن في مصاف الدول العظمى... وللأسف انتقلت هذه السمة السالبة إلى عموم المواطنين وأصبح المواطن السوداني هو أيضاً كثير الكلام قليل العمل. أعود إلى موضوع النهضة الزراعية الذي هو شعار الساعة... وقد عايشنا من قبل شعار "نأكل مما نزرع" الذي تبخر سريعاً وأصبحنا على العكس نستورد جُلَّ ما نأكله من المنتجات الزراعية بدءاً من الثوم الصيني مروراً بالفواكه المستوردة من جنوب إفريقيا وبلاد الشام وغيرها وانتهاءً بزيت الطعام المصري... وبعدها عايشنا شعار "النفرة الزراعية" وما زالت الأراضي الزراعية جرداء... فقبل أيام سافرت إلى ودمدني مع بعض الضيوف الأجانب، وكنت أحدثهم قبل الرحلة عن أننا سنتوجه إلى ولاية زراعية وعن مشروع الجزيرة، وكل تلك الروايات الكاذبة... وعندما تجاوزنا منتصف الطريق إلى ودمدني سألني أحدهم: أين الزراعة وأنت قلت إننا نزور ولاية زراعية؟ اليوم نسمع حديثاً جميلاً مليئاً بالجماليات النظرية التعبوية عن "النهضة الزراعية"... والمدهش في الأمر أن كل ما يقال هذه الأيام عن الأهمية الاقتصادية لتنمية القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني ليس اكتشافاً سياسياً واقتصادياً جديداً وإنما هو أمر معروف منذ قديم الزمان قبل أن تؤسس الدولة السودانية الحديثة... ولكن اعتاد الأخوة قادة المؤتمر الوطني أن يفترضوا جهل وغباء المواطن السوداني... فالآن هناك حديث كثير وتعبئة سياسية مكثفة عن النهضة الزراعية ولا أدري إلى مَنْ توجه الرسالة؟ هل موجهة لنا نحن كمواطنين ندرك بشكل بديهي بسيط أهمية التنمية الزراعية... أم موجهة لأنفسهم كقادة دولة استلموا السلطة قبل تسعة عشر عاماً وأهملوا تماماً التنمية الزراعية بشقيها وتناسوا تماماً التنمية الريفية واهتموا اهتماماً مبالغاً فيه بتنمية الحضر وبدأوا المسيرة الاقتصادية من نقطة خاطئة... وعندما توفر القليل من المال بعد صناعة البترول وإيقاف حرب الجنوب بددوه في تنمية وتطوير السلطة الحاكمة وفشخرتها وتلميع مكانتها الإجتماعية لتصبح سلطة مرفهة تحكم شعباً فقيراً بائساً. بعد كل ذلك يأتي نفس أهل السلطة الحاكمة منذ يونيو 1989م ويحاولون إقناعنا اليوم في عام 2008م بالنهضة الزراعية وأهميتها بالنسبة لاقتصادنا... فهل يمكن فعلاً إحداث نهضة زراعية كما يقال؟ في تقديري الشخصي – مع احترامي لدعاة النهضة الزراعية- أن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لا يمكن الانطلاق منه إلى إحداث أي نوع من التطور الإيجابي في أي مجال سواءً أكان زراعياً أو صناعياً أو سياسياً أو ثقافياً... لماذا؟ بداية أقول بأن كلمة "نهضة" المستخدمة هي كلمة سياسية تعبوية هلامية لا يمكن الإمساك بها اقتصادياً مثلها مثل كلمة "نفرة" أو "ثورة"... فهذه تعبيرات تستخدم للفوران السياسي... أما التطور الإيجابي الذي يمكن أن يحدث في القطاع الزراعي فهو اقتصادياً يسمى "تنمية زراعية"... والتنمية الزراعية لا يمكن أن تحدث إلا في إطار تنمية شاملة ومتوازنة في جميع القطاعات الإنتاجية والخدمية... فكيف لنا أن نتحدث عن تنمية زراعية والقطاع الصناعي شبه منهار... وقطاع الخدمات الصحية والتعليمية وصل إلى مرحلة ما تحت الصفر... فالمرض والجهل يلازمان أغلبية أبناء السودان... وقطاع الطرق يزدهر داخل المدن... أما الطرق الريفية بين القرى الزراعية وداخل المشاريع الزراعية الكبرى فما زالت وعرة... والفساد أصبح أمراً عادياً طبيعياً في جميع قطاعات الدولة وتجاوزها ليعم ويشمل حتى القطاعات خارج إطار الدولة... وغير ذلك الكثير الذي يجعل الحديث عن النهضة الزراعية هو نوع من أنواع الحرث في البحر وتبديد الأموال فيما لا يفيد... والأهم من كل ذلك أن التنمية الشاملة والمتوازنة تحتاج لعقلية سياسية تنموية تنظر إلى جميع شؤون السودان بمنظار تنموي واحد وشامل ومتكامل وبمنهجية تخطيطية... فهل لدينا سلطة سياسية بهذه الصفات؟ لا أعتقد ذلك... فالسلطة الحاكمة الآن في السودان تمتلك عقلية سلطوية بحتة لا مكان فيها للتنمية بهذا المعنى الشامل الذي ذكرته... لذلك هي تطرح علينا من فترة إلى أخرى معالجات ترقيعية غير مفيدة بل وضارة للغاية مثل "ثورة التعليم العالي" وبرنامج "توطين العلاج"، وغيرها من المعالجات الشعاراتية التي بددت الأموال ودمرت القطاعات المختلفة... وهذا هو المتوقع الآن بالنسبة لشعار النهضة الزراعية... سيتم صرف أموال هنا وهناك وستحدث إضاءات سطحية سريعة هنا وهناك في القطاع الزراعي وسرعان ما تنطفئ تلك الإضاءات لنعود إلى نقطة أسوأ من النقطة التي نقف عندها اليوم.
|