|
عن كتابه في أصول فقه السياسات العامة : ظل الناس لدهر دهير يدرسون الفقه في شكل جزازات وأحكام مقتطعة يأخذونها من المراجع الثانوية بدءاً بابن
|
|
|
عاشر وانتهاءً بخليل . ولم تكن أحكام الفقه تأتي مصحوبة بأدلة ولا منتزعة من قواعد مقاصد أو أصول . وبقى الأمر كذلك إلى أن حل ببلادنا السودانية رهط كريم من ِِجِلة علماء مصر فبثوا علم أصول الفقه بمدرسة القضاء الشرعي بكلية غردون التذكارية، منهم الشيخ محمد شاكر (والد الشيخين أحمد ومحمود محمد شاكر) والشيخ محمد مصطفى المراغي، والشيخ عبد الوهاب خلاف. والأخير حظى بزيارة المفتي الشيخ الإمام الأعظم شيخ الإسلام محمد عبده في عام 1906م لصفه الدراسي، بكلية غردون، حيث تقدم إليه بمقترحات نيرة، أثرت الدرس، وهدت إلى تأليف الشيخ خلاف لكتابه الشهير في أصول الفقه. وكان الإمام الأكبر عبده قد وجه خلافاً لكي يمزج مباحث علم الأصول الجافة بروح البحث الحية في كتاب (الاعتصام) للشاطبي الذي كان الإمام عبده قد توفر على طبعه وطبع كتب نهضوية عربية أخرى، وتقديمها للناس، وعندما استجاب خلاف لاقتراحات شيخه عبده طلع على الناس بكتابه الرائع (أصول الفقه) الذي يدرس الآن بكل مكان . وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي وإلى منتصف ثمانينياته نشطت مدارسات أصول الفقه بالخرطوم، التي ربما كان من وراء نشاطها الدكتور حسن الترابي وشيعته، ولكنها كانت من ناحية مستهدية قطعا بتوجيهاته الشخصية الشبيهة بتوجيهات محمد عبده، وربما أُخذت عنها، وكانت- من ناحية أخرى- ممتازة عليها بنـزعتها (الغائية) والبراغماتية حيث كان الدكتور يطمح إلى توليد فقه سياسي واجتماعي وحضاري عام، استناداً على علم أصول الفقه ومقاصد التشريع. وربما لأن الترابي ساورته شكوك من نتائج النهضة العلمية الثقافية العامة - ولو على أصول إسلامية - فقد ذبل ذلك النشاط وتراجع الاهتمام العام بعلم الأصول والمقاصد. ثمرة ناضجة للجهود المباركة: ويأتي العمل الذي نحن بصدد تقديمه للقارئ الكريم كأول ثمرة ناضجة لتلك الجهود المباركة، التي بدأت بمجاهدات علماء الأزهر بالخرطوم، واتصلت على مدى قرن كامل، حتى جاءت بهذا العمل الذي أفاد من القراءات الأصولية كلها بصورة شبه استقصائية، وأفاد من نتاج الفكر الغربي الحديث، حيث كان المؤلف العالم الأصولي فضيلة الشيخ أمين حسن عمر أقوى عارضة وأشد تضلعاً في قراءة الفكر الغربي من علماء أصول الفقه الآخرين. كما كان انشغال المؤلف بقضايا الدعوة إلى الله تعالى من منظور أوسع من منظور الأئمة السابقين، واهتمامه اهتماما كبيرا بموضوع (أسلمة) المجتمع ومؤسسات الدولة وبرامجها، مما قاده إلى اكتشاف أن تراث الفكر السياسي القديم غير كاف للعون على مجهود أسلمة المؤسسات في العصر الحديث. وبدلا من أن يتهم المؤلف هذا التراث بالتخلف والقصور، كما يفعل الكثيرون ويكتفون بذلك، فقد راح يستكشف أصوله عسى أن يجد فيها ما يعين المفكر المسلم المعاصر على استباط حلول وبرامج للغرض المنشود. وقد كان من سعد الطالع أن كانت لجنة الإشراف على هذا البحث الذي كان في أصله رسالة لنيل لقب الدكتوراه من جامعة القرآن الكريم، لجنة علمية قوية صارمة (تكونت من الشيخ أحمد علي الإمام، المشرف على البحث، والشيخ أحمد علي عبد الله، وشيخ فاضل آخر لم نعرف اسمه)، قهرت المؤلف أمين حسن عمر، وراضته على التواضع، وألزمته بمقتضيات البحث العلمي الأكاديمي الجامعي، ونهته عن عادته القديمة في تجاوزها وتخطيها، ولولا ذلك لتجاوزها واختل عمله وانحل واختزل بشكل خطير . فنحمد لهذه المشيخة العلمية المهابة الصارمة أن أجبرت المؤلف/الطالب أمين حسن عمر على سلوك سبيل البحث العلمي الصحيح، وعلى الوفاء بشروطه الجوهرية منها والشكلية، وكلها مهم، ولا يتكامل تقرير البحث الصحيح إلا بتوفيتها جميعاً. وقد كان مما كان من شأن أمين حسن عمر فيما مضى، أو الأحرى أن أقول فيما رأيت من أعماله الفكرية السابقة، وقد رأيت أكثرها، أنه تتلبسه نفسية ازدراء القارئ، ويأخذه شيء من التعالي الفكري، الذي يجعله يأنف من الخضوع لاعتبارات البحث الجامعي، وتقاليده الكريمة، التي يخضع لها الآخرون، فيأتي بحثه مجملاً من غير تفصيل ، ولعله كان يحسب أن ذلك هو سبيل (التأصيل)، الذي يستلزم النأي عن الاستغراق في (التفصيل)! فمرحى لهذه المشيخة العلمية المتشددة التي ألزمت طالبها وحواريها بكل ما يلزم في هذا المجال، وأرغمته على قضاء أوطار البحث العلمي الأكيد . وسط بين الطرفين الغاليين: لقد فعلت هذه المشيخة بأمين ما فعله محمد عبده بالشيخ عبد الوهاب خلاف، ولكن من نحو آخر. فقد كان الشيخ خلاف يتبع شكليات البحث العلمي لا روحه، أما أمين فقد كانت روحه العلمية قوية بلا ريب، ولكنه يستهين بشكليات البحث العلمي ومظهرياته، وكلها أمور مهمة كما أسلفنا، فمن قال أن الشكل والمظهر لا يهم قط ؟! والآن فقد سعدنا حقاً بوجود من سلَّطه الله تعالى على أمين حسن عمر فطمأَن من تعاليه الفكري الكثير، وأخذه بأن يبدأ بحثه البداية الصحيحة بتعريف مصطلحاته الكثيرة تعريفات مشبعة من حيث اللغة والاصطلاح، وأن يشرح عباراته شرحاً موسعاً وافياً بالمعنى المطلوب، وأن يوطئ لمباحثه بالمقدمات الطويلة اللازمة، وأن يتلطف بالقارئ فلا يعجل به إلى النتائج إلا بعد التحليل المفصل الدقيق. وبذلك جاء كتاب أمين وسطاً بين طرفين غاليين من كتاب الإسلاميين: أولئك التجديديين الذين يصرُّون على صياغة أفكارهم صياغة تجريدية منطقية غامضة، وأولئك السلفيين الذين يصوغون أفكارهم بلغة بسيطة ساذجة وتفصيل مخل يخلو من التأمل العقلي والتعمق التحليلي اللازم. وبذلك جاء كتاب أمين، بحمد الله، عميقاً مستحصداً لمباحث الموضوع جميعاً، وتجنب مع ذلك لغة التجريد الغامضة، فأصبح واضح المعنى، سهل القراءة، حتى لمن ليس له حظ كبير في علم الأصول والمقاصد، فقد يسر المؤلف الأمر عليه، حيث عرفه بمعظم مصطلحات أصول الفقه ومباحثه، ذلك مع أن رسالة الكتاب لم تكن في أصول الفقه بوجه عام وإنما في أصول الفقه السياسي بوجه خاص. لا ريبة ولا جمود: ومما يحمد للمؤلف المجتهد، حفظه الله، أنه قد أبان عن دور السنة في التشريع الإسلامي بلا غموض ولا غمغمة، كما يفعل بعض أهل الزيغ، وبعض التجديديين الذين يريبون القارئ بآرائهم في أصول الفقه. وقد نص المؤلف في غير مواربة على حجية السنة النبوية مستدلا بالقرآن الكريم، وأكد أن معصومية السنة هي من معصومية القرآن، ومصدريتها من مصدريته. وبدا المؤلف وكأنه يميل إلى رأي الأصوليين الذين يرجحون مبدأ استقلال السنة بالتشريع، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث أكد أن السنة تقيِّد أحياناً آي القرآن الكريم. ولتأييد هذا المعنى قطف المؤلف كلمات زاهرة من كتاب شيخنا وسيدنا العلامة الفقيه الأصولي الدكتور يوسف حامد العالم، رحمه الله، عن (مقاصد الشريعة الإسلامية) وهو من خيرة الكتب في هذا الباب، حيث قال إن الأحرى بأهل العلم أن يوحدوا بين القرآن والسنة الصحيحة، لأن مصدريتهما في الوحي واحدة، وطالما أن المصدر واحد، فلا تباين ولا تناقض إذن، وإنما انسجام في أداء الغاية التشريعية الواحدة. بطء نمو الأفكار في العالم الإسلامي: وعن الإجماع كمصدر للسياسات العامة، انتهى المؤلف إلى رأي عملي قوي مهم، لعله أن يحسم الجدل في الموضوع الدقيق. فالإجماع هنا ليس الإجماع التام الذي لا مخالف له، ذلك الإجماع الذي يقول به جمهور الفقهاء (ويمثل النظرية الكلاسيكية في أصول الفقه). وإنما الإجماع الذي لا يضيره أن يخالفه الآحاد. فهذا هو الإجماع الذي يمكن العمل به في الشؤون الدنيوية (والسياسية بوجه خاص). وقد بلور المؤلف رأيه هنا بأدلة نصية وعقلية كثيرة سائغة، وبذلك يبدو القول به لأول مرة مقنعاً في أوساط الفكر السياسي الإسلامي. وكان العلامة الفيلسوف الأمثل الدكتور محمد إقبال هو أول من افترع هذا الرأي، قبل أكثر من سبعين عاما، في كتابه التأسيسي (إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام) وحاول فيه أن يقرن بدأ الإجماع التشريعي بمبدأ الأغلبية الديمقراطية،في الفكر الغربي، ولكنه لقلة علمه بأصول الفقه، لم يتمكن من تعزيز رأيه بالأدلة الوثيقة، حتى جاء أمين حسن عمر ففعل. ومن كان يريد دليلا على بطء نمو الأفكار في العالم الإسلامي، وبطء نمو أفكار الحركات الإسلامية خصوصا، فحسبه هذا الدليل. مباحث الكتاب: وبجانب هذه القضايا التي استعرضناها، ببعض التفصيل، ناقش المؤلف قضايا كثيرة، من الصعب، ومن غير المطلوب، لحسن الحظ، أن نناقشها في هذا الحيز الضيق، ولذلك فإنا نشير مجرد إشارة إلى أبرزها. فقد تطرق المؤلف إلى تأصيل مسائل مهمة كمقاصد الاحكام السلطانية والسياسات الشرعية، والعلاقة بين السياسات والنصالح الشرعية، وسلطة الامام في تقرير الساسات وتحديد المصالح وحدود السياسة السلطانية وضوابطها، وفي السياسات الاقتصادية، كالانفاق العام، والسياسات النقدية، والاستثمارية، والتنموية، والسياسات الأمنية داخليا وخارجيا، ومسائل الأمن والدفاع، وشؤون العدل والقضاء، والحسبة، والشرطة، وقضايا الشورى، والمجالس البرلمانية، وغير ذلك من القضايا العمرانية المهمة، وكان المؤلف في غالب معالجاته مجتهدا مدققا موفقا، بحمد الله تعالى. هذا وربما استطاع متجاسر مثلي ان يقول إن هذه الأطروحة التي أنتجها أمين حسن عمر في أصول السياسات هي أرقى عمل أصولي ( سياسي أو غير سياسي) خطه قلم مفكر سوداني حتى الآن. وأظن أن من الصعب أن يتجاوزه قلم سوداني في هذا المضمار، وربما لا يستطيع المؤلف نفسه ان ينتج كتاباً مثله فيما بقى له من العمر مهما طال، بعد أن أفلت من سيطرة هذه المشيخة العلمية التي قهرته على صنع هذا الكتاب!. مآخذ على الكتاب: ولا يخلو الكتاب بعد ذلك من أخطاء تؤخذ عليه، فقد طالت صفحاته أكثر مما ينبغي، وبلغت بعد الضغط الطباعي الشديد أكثر من 300 صفحة، وهذا كثير. ومع أنا حمدنا للمؤلف تفصيله أفكاره، إلا أنه أطال في بعض المناحي أكثر مما يلزم. وهنا ندعو المؤلف الفاضل لكي يخرج مختصرا عن كتابه هذا في نحو نصف حجمه الحالي، لتعم فائته أكثر بين طلبة العلم النجباء، وندعوه لكي يقوم ببلورة ما قاله في جانب الإطار النظري للاجتهاد، ليرينا أين بدأ وأين انتهى مسار تطور الفكر في هذه الناحية. وقد يقول المؤلف إنه قد فعل هذا في خاتمة الكتاب التي لخص فيها محتوياته في نحو 100 صفحة، إلا أن قوله هذا لا يقنعنا ولا يرضينا. ولا أدري ما الحكمة في استرسال المؤلف في الاستشهاد بآراء الفقيه الأصولي أبي يَعْلىَ الفراء الحنبلي، بدلاً من الفقيه الأصولي أبي الحسن الماوردي الشافعي، ذلك مع أن الثاني هو الأسبق. وقد نقل عنه أبو يعلى نقلاً نصيا صريحاً. فكتابيهما عن (الأحكام السلطانية) شبه متطابقين في العنوان، والمتون، والألفاظ. وكان الأولى بأمين أن يستشهد بالماوردي إذن، كما يفعل كل من يبحث في تراث الفكر السياسي الإسلامي . ومما يؤخذ على الكتاب أنه عرَّف بالأَعلام من الأصوليين والفقهاء بنقول مبتسرة من كتب الأولين، وكان الأحرى بأمين أن يقدم على التعريف بهم من زاوية رؤية مختلفة وبعبارات أجود. وقد جرى اختصار المعلومات (الببلوغرافية) الخاصة ببعض الكتب، وهذا تقصير كان يمكن تفاديه بالرجوع إلى المعلومات الخاصة بتلك الكتب ولو من (الإنترنت). وبينما تم تخريج الآيات القرآنية بشكل صحيح، فإن تخريج الأحاديث النبوية جاء بصور مقتضبة كإسناد حديث ما إلى ابن ماجة من دون ذكر درجته من الصحة أو الضعف. ومن رأيي المتواضع أنه ربما كان الأجدى أن يوضع الفصل الأخير من هذه الدراسة الذي اتخذ عنوان (مغزى تأصيل السياسات العامة في الدولة المعاصرة) في مفتتح الكتاب، لأن هذه هي مشكلة البحث، أو سؤاله كما يقولون، ولم يكن حسنا أن يخلِّفها المؤلف في ذيل البحث! وقد ورد في ص121 خطأ في نص آيتين كريمتين، ما كان ينبغي أن يحدث، خاصة وأن المؤلف من حفظة كتاب الله تعالى، وفي كل الأحوال فقد كان من الممكن تفادي الخطأ بالأخذ من المصحف الرقمي، المتوفر على شبكة المعلومات الدولية، فالأخذ عنه أسلم بكثير. خاتمــة: ولكن مهما كانت المآخذ فقد افدت كثيرا، واحتفلت احتفالا بالغا بقراءة هذا الكتاب، الذي اظنه سيظل التحفة الفكرية الكبرى لامين حسن عمر، فقد استقطر فيه دفعة واحدة خلاصات افكاره التي ظلت تتجمع في ذهنه لعشرات السنين، وتمكن من تنسيقها وتكثيفها بمهارة منهجية فائقة. وقد أبدى المؤلف سيطرة غير عادية على حشد التفاصيل المتوزعة، وضبطها في إطار نظري متين، الأمر الذي دل دلالة كافية على اقتداره الفكري وتمكنه من ناحية التنظير والتأصيل. وببحثه هذا في أصول الفكر السياسي كاد الأمر أن يختتم بهذا الكتاب. فنرجو من صاحبه ومن غيره من المؤلفين ألا يجرجرونا من جديد إلى البحث في علم (أصول) السياسات. فـ (فروع) الفقه السياسي أصبحت أولى منها بالبحث، لأنها هي التي يراد تحصيلها وتطبيقها في واقع الحياة ! وقبل الختام نود نود أن نقول لزملائنا من أساتذة العلوم السياسية لاسيما المهتمين منهم بالتأصيل من وجهة النظر الإسلامية، إن هذا الكتاب كبير الفائدة، فنرجو أن يهتموا به قراءة ونقداً. كما نرجو ان تنتبه لقيمة هذا السفر الأصولي دوائر الفكر السياسي على نطاق العالم أجمع، فيحظى بالترجمة الى اللغات الكبرى، وتعم مدارسته في أقسام العلوم السياسية بالجامعات الغربية والشرقية على السواء. وأخيرا فعلى القراء – وأنا منهم – أن يقدموا أعز الشكر لهذه المشيخة العلمية القوية التي قهرت أمين حسن عمر على التواضع و وراضته على الصبر على بلورة هذا العمل العلمي المنضبط بأصول البحث ومناهجه
|