|
ثمة ما يدفع العشرات كل مساء للإصطفاف في طوابير مملة أمام قاعة الصداقة بالخرطوم فى إنتظار دورهم لدخول عرض مسرحي مكرر منذ عدة سنوات, لكن ما لا شك فيه أ
|
|
|
ن جرعة التعاطي السياسية العالية في النص المسودن عن رواية الكاتب السوري الراحل محمد الماغوط, ما زالت مغرية للعديدين لمشاهدة عرض فرقة الأصدقاء المسرحية (المهرج) في موسمه الجديد غير المتجدد. لا يخلو المسرح فى كل أرجاء البسيطة من صلة بالسياسة, لكن بقدر متفاوت حسب الحالة السياسية والإجتماعية فى كل بلد والشرط التاريخي الملازم, لكن المؤكد أن الإنفعال بالسياسة في السودان يبدو كبيراً نسبياً بالمقارنة مع بلدان المنطقة, ويقول الناقد الدرامي والمسرحي والأكاديمي السر السيد لـ(الأحداث) عبر الهاتف إن المسرح لكونه معبراً عن الحياة وبنائها وبما أن السياسة هي الحراك اليومي للحياة وتسعى لأجلها, فمن الطبيعي وبالضرورة أن يتماس المسرح مع السياسة, مضيفاً أن المسرح عادةً يكون في مستوى الحراك السياسي. ويؤكد السر السيد أن علاقة المسرح السودانى بالسياسة متجسدة فى المفهوم الكبير واليومى، ويعتبر الناقد والمسرحي السر السيد أن علاقة المسرح بالسياسة في البلاد بدأت باكرة جداً في العام 1908 بمسرحية ..... الداعية للتعليم, ثم اتصل الأمر في الثلاثينيات حين قدمت مسرحيات المك نمر وتاجوج اللتان عبرتا عن مفاهيم كبيرة بشأن الوحدة الوطنية, وفي الأربعينات واصل المسرح ترويجه للتعليم, بينما تصدى فى الخمسينيات والستينيات للقضايا الإجتماعية ومحاربة العادات الضارة عبر أعمال الفاضل سعيد وحمدنا الله عبد القادر, حتى بزغ نجم هاشم صديق والراحل عمر الطيب الدوش, لكنه يرى أن المسرح ومنذ الثمانينيات بدأ بفقدان قدرته على التعبير عن هموم الناس المتصلة بالضرورة بالسياسة, وأرجع السيد ضعف علاقة المسرح بالناس الى تدهور النصوص في غالبها, على الرغم من أن مستوى التعاطي السياسي فيها ما زال عالياً, وظلت تطرح تلك النصوص السياسة بذات الوضوح والمباشرة, غير أنها لا تحمل مضامين عميقة أو قوية, وقال السر السيد إن المسرح يبدو فى أحيان مسرح إسقاط سياسي, يحاول إستدرار عطف المتفرجين عبر الإضحاك المباشر أو الإيحاءات الجنسية, محملاً ضعف النصوص المسرحية مؤخراً الى الواقع السياسي للبلاد, بحسبان نتاج واقعي لها. وبالقطع لن تهمل الأحزاب المسرح كوسيلة في عملها السياسي, لكن تجربة المهرج خلت من أي إشارة سياسية عدا المتعلقة بفكرة القومية العربية, والتي تبدو مبررة لحد إذا استدركنا أن النص مسودن عن رواية للكاتب السوري الراحل محمد الماغوط, ويقول مسودن النص الممثل المسرحي مصطفى أحمد الخليفة لـ(الأحداث) إن النص حاول إسقاط الحالة التاريخية على الواقه العربي, مدافعاً عن تحاشي العرض ملامسة الواقع السياسي الحالي, بأنه يركز على رسالة واحدة, تتمثل في التنبيه الى نتائج التخبط العربي والأفريقي وما أفضى اليه من عجز الشعوب, دون إقحام الراهن السياسي بالقوة في النص, حتى لا تفضي الى تشتيت المشاهد. وما دام الأمر برمته متعلق بعلاقة المسرح والسياسة فإن اليمين واليسار لهما تجربة طويلة مع المسرح, الذي كان في مرحلة من المراحل وسيلة من وسائل التجنيد لصفوف التنظيم أو كسب التعاطف, أو على الأقل التحييد, كما في تجربة الإسلاميين السودانيين التي بدأت في وقت متقدم, ويقول لـ(الأحداث) القيادي الإسلامي القديم د. عبد الله حمدنا الله إن علاقة الحركة الأسلامية مع المسرح كعمل مؤسسي بدأت بمنظمة الشباب الوطني فى النصف الثاني من الستينيات التي كان يرأسها القيادي التاريخي عبد الله علي يعقوب, وسكرتيرها الكاتب الصحفي الحالي موسى يعقوب, وقدمت المنظمة بعض الأعمال المسرحية مثل (بامسيك) التي شارك فيها الإذاعي المعروف إسماعيل طه مع آخرين, لكن ذلك النشاط المسرحي توقف في عهد الرئيس جعفر النميري وعاود مرة أخرى بعد زوال حكم مايو عبر فرقة نمارق للآداب والفنون, مضيفاً أن تجربة الإسلاميين مع المسرح كانت ترمي لتقديم ما أسماه ( فن نظيف), متفقاً مع ما ذكرته من مرامٍ أخرى في التجنيد والتحييد وكسب التعاطف لدى شرائح معينة, وزاد د. عبد الله حمدنا الله إن دخول الحركة الإسلامية عالم المسرح أفلح في كسر إحتكار اليسار له, وإستقطاب فنانين الى صفوفها. على صعيد تيار اليسار تكونت – بحسب الناقد والمسرحي محمد محيي الدين- في الفترة التي أعقبت ثورة أكتوبر منظمات ديمقراطية تحت المد اليساري المتكون فى الديمقراطية الجديدة وقتها, مثل إتحاد الشباب وإتحاد المرأة والنقابات, وشهدت نهاية الستينيات ميلاد تنظيم (أباداماك) بما ضمه من كوادر سماها محيي الدين شيوعية وديموقراطية, على رأسها د. عبد الله علي إبراهيم ود. خالد المبارك, مضيفاً أن تلك المرحلة ترافقت مع بروز ملامح المسرح الجامعي التقدمي برموزه المعروفة صلاح كركاب وصلاح طويلة وفاطمة بابكر وما قدم من نصوص للكاتب (برخت) بملحمتها الصريحة, ويرى محيي الدين أن اليسار أفلح فى كسب الشرائح المستهدفة عبر المسرح سيما وأن منفستو (اباداماك) كان يحتوي على نصوص واضحة تقول إن المسرح لأجل (المسحوقين والفقراء والمزارعين والعمال), وأقامت عروضاً ناجحة ومختلفة من حيث المضمون والعرض مثل (الكتاحة) و(الفتريتة), لكن غضبة نميري على الشيوعيين أنهت مسيرة السياسة عبر المسرح. ربما يبدو المسرح لكثيرين مجموعة من الممثلين ونصوص مضحكة أو مغرقة فى السخرية أو معبرة عن الواقع بكل ما فيه من بؤس أو شقاء أو كبت أو خلافه مما بكره الناس, لكن المؤكد أن بعضهم أيضاً لا يرى في الساسة إلا ممثلين سيئين لم يتقنوا شيئاً سوى تبديد سعادة الشعوب في كل مكان.
|