|
|
|
الاعتبارات غير التجارية وتأثيرها في منظمة التجارة العالمية (1)
السفير علي ابن أبى طالب عبد الرحمن*
|
|
تعتبر عملية الانضمام الى منظمة التجارة العالمية من اصعب واعقد التجارب التي يمكن ان تواجهها دولة ترغب في الانضمام الى منظمة او هيئة دولية وذلك بالمقارن
|
|
|
ة – مثلاً – مع اجراءات الانضمام لمنظمات اخرى مثل منظمة الصحة العالمية او العمل الدولية او حتى نيل عضوية الامم المتحدة والتي لا تتطلب تقديم تنازلات او القيام بسن تشريعات او قوانين مثل تلك التي يتطلبها الانضمام للمنظمة الدولية التي تشرف على ادارة العلاقات التجارية متعددة الاطراف منذ إنشاءها في العام 1995م. بالرغم من الادعاء القائل بان المنظمة تستند الى نظام قائم على القواعد (Rules-based System) ويتساوى فيها الكبير والصغير أمام جهاز تسوية المنازعات التجارية دون أي تمييز، الا ان نظرة متعمقة الى عملية الانضمام لمنظمة التجارة العالمية تكشف عن افتقار هذه المنظمة الى قواعد محددة وواضحة تحكم عملية الانضمام بالنسبة للدول التي لم تنضم بعد او تسعى للحصول على عضوية هذا النادي، فالمادة 12 من اتفاقية مراكش المتعلقة بالانضمام صيغت بطريقة مبهمة وذات طبيعة عامة وفضفاضة اذ انها لا تشير الى أي قواعد تحكم عملية الانضمام او ما يجب على الدولة الساعية للانضمام القيام به، فهي تقرأ (بان أي دولة او منطقة جمركية منفصلة لها الولاية على تجارتها الخارجية يمكن ان تنضم لهذه المنظمة وفق "شروط يتم الاتفاق عليها بينها وبين الدول الأعضاء)، وهذا يعني بالضرورة ان عملية الانضمام برمتها تعتمد على ما يمكن ان تفرضه الدول الأعضاء من شروط على الدولة المنضمة، وهي وكما أظهرت التجارب في السنوات العشر الماضية يمكن ان تؤدي الى مجموعة متباينة من الدول الأعضاء اذ ان الالتزامات التي تقطعها دولة ما يمكن ان تختلف عما تتعهد به دولة اخرى، كما ان سقف المطالب مفتوح ولا تحكمه ضوابط معينة، وبما ان الانضمام للمنظمة يتطلب موافقة جميع الدول الأعضاء فان مصير الدول الساعية لدخول هذه المنظومة يصبح بالضرورة تحت رحمة الأعضاء وخاصة الكبار منهم، ولا نجاوز الحقيقة كثيراً ان زعمنا بان الانضمام تتحكم فيه دول بعينها وبدون رضاها وموافقتها يصير من المستحيل ان لم يكن من الصعوبة بمكان نيل العضوية. وهذا يقودنا الى مسألة في غاية الأهمية وهي عدم وجود أي آلية او خطوات محددة تحكم عملية قبول طلبات الدول الراغبة في الانضمام للحصول على صفة مراقب وتكوين فريق لمفاوضات الانضمام ومن ثم تعيين رئيس لهذا الفريق، باعتبارها الخطوة العملية الاولى لعملية الانضمام المعقدة والصعبة، فهناك طلبات للحصول على صفة المراقب وفق ما تنص عليه المادة 12 ظلت في أضابير امانة المنظمة لما يقارب العشر سنوات (حالة ايران مايو 1996م – مايو 2005م) وأخرى لما يزيد عن السبع سنوات (سوريا منذ اكتوبر 2001م)، كما ان طلبات دول اخرى كان يمكن ان تظل في طي النسيان لولا تغيير الأنظمة السياسية فيها او تغيير التوجهات السياسات (العراق – افغانستان)، وحتى لا يكون مثل هذا الزعم صادراً من خيال مريض او أوهام، فان طلب سوريا للحصول على صفة مراقب قدم في عام 2001م ولم يتم البت فيه حتى هذه اللحظة، بل ان طلب ايران ظل يطرح ضمن جدول أعمال المجلس العام للمنظمة لأكثر من 21 مرة منذ عام 1996م لاتخاذ قرار بشأنه الا ان دولة واحدة ظلت تعارض النظر فيه بحجة ان السلطات المختصة لا زالت تقوم بدراسة ومراجعة الطلب!!! والحال ذاته ينطبق على طلب سوريا. وبالرغم من حصول ايران على صفة المراقب في عام 2005م في اطار ما يسمى بـ(سياسة العصا والجزرة) من قبل الدول الكبرى بسبب برنامجها النووي، الا انه لم يتم حتى الآن تشكيل فريق عمل او تعيين رئيس له وذلك بسبب اعتراض دولة ذات نفوذ، وهذا يدلل على ان النظام الذي يدعي انه قائم على القواعد وعدم التمييز هو ذاته الذي يضع العراقيل التي لا علاقة لها بحرية التجارة او فتح الأسواق وفق القواعد والنظم أمام دول ترغب في الانضمام له والعمل وفق قواعده ونظمه غير المرعية من بعض الدول المؤثرة. نموذج اخر للتدليل على التسييس الواضح لعملية الانضمام هو ان عملية انضمام دولة من الدول الاقل نمواً (السودان) قد تم تجميدها عملياً منذ اكتوبر عام 2004م وحتى اشعار اخر بسب مشكلة سياسية داخلية (دارفور)، على الرغم من ان قراراً قد صدر في ديسمبر 2002م من قبل الدول الأعضاء لتيسير وتبسيط اجراءات انضمام هذه الفئة من الدول تقديراً للطبيعة الخاصة لمشاكلها وامكانياتها المالية والفنية، وبالرغم من المحاولات العديدة للسودان لتحريك عملية الانضمام الا انها منيت بالفشل الذريع وظل الملف يراوح مكانه في انتظار عودة جودو، والذي ربما تطول عودته طالما صار الامر كله خاضعاً لاعتبارات غير تجارية، وبافتراض إيجاد حل لقضية دارفور، فليس هناك ضمان لاستئناف المفاوضات فربما تضع الدول الكبرى شروطاً جديدة مثل إعطاء ضمانات بإجراء انتخابات نزيهة، فكما جاء في مجلة (شئون دولية Foreign Affairs) عدد مارس / ابريل 2005م الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الامريكي الذي يعتبر اهم مراكز البحوث والمعلومات لصانع السياسة في البيت الابيض، عبر مقال كتبه الباحث Steven A. Cook بالمجلس (صفحة 101) بعنوان "الطريق الصحيح لتعزيز الاصلاح في الدول العربية": "في الساحة الدولية متعددة الاطراف، يمكن للولايات المتحدة ان تتبنى مبادرة لمساندة انضمام العرب إلى محافل دولية مثل منظمة التجارة العالمية، او الالتحاق بمبادرة حلف شمال الأطلسي (الناتو) للمشاركة من اجل السلام، إذا ما وافقت الدول العربية أولا على إدخال مزيد من الحريات السياسية والإصلاحات الاقتصادية. فبالنسبة لمنظمة التجارة العالمية – على سبيل المثال – يمكن ان تشترط الولايات المتحدة بالتنسيق مع حلفاءها الأوروبيين، على الدول العربية الساعية للانضمام القيام بإصلاحات محددة – تتعدى ما هو مطلوب بالفعل من قبل المنظمة، وذلك في مقابل دعم ومساندة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لطلبات الانضمام. هذه الإصلاحات يمكن ان تتضمن تغييرات في قوانين الأحزاب السياسية والانتخابات بما يضمن توسيع المشاركة، او تعديل الدساتير بما يؤدي الى تحسين حقوق الإنسان وضمان سيادة القانون ووضع آليات للحماية ضد التعذيب والتنكيل بالمعارضين. ربما يجأر القادة العرب بالشكوى من ان هذه الشروط مجحفة وظالمة!!. باختصار إن راق لهم الامر ام لا فان القادة العرب لهم الحق في الاختيار بين الإذعان لهذه الشروط أو رفضها وبالتالي تحمل ما يترتب على ذلك من حرمان من الدخول لهذا النادي " انتهى الاقتباس. ان هذه الأفكار والمقترحات تجد آذانا صاغية لدى متخذي القرار في الولايات المتحدة، وهي بلا شك تؤثر في المواقف الرسمية التي تصدر في واشنطن فيما يتصل بمسألة انضمام الدول الى منظمة التجارة العالمية خاصة تلك التي تعتبر من وجهة نظر امريكا دولاً خارجة عن القانون الدولي او معادية او منبوذة(Pariah States) ، ولو دارت عجلة الزمان دورة للوراء – وتحديداً – الى ما قبل التوقيع على اتفاقية الجات في عام 1947م لاستخدمت الولايات المتحدة نفوذها في منع دول مثل كوبا وميانمار من الالتحاق بهذا المحفل مع العلم بان هاتين الدولتين كانتا – لحسن حظهما – من الدول الثلاث والعشرين المؤسسة للاتفاقية.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|