|
فمن بعد... أراه كافياً... أن نوجز إتجاهات الشأن السوداني في كونه نزاعاً إجتماعياً إحتقن على مصارف آيدلوجية, بين مركز النشأة والتكوين (المحافظ) وبكل مز
|
|
|
اياه التاريخية... وبين إتجاهات مجتمعية تحاول الإمساك بأسباب العصر والتفاعل مع مستحدثاته وفيما تجوز تسميته بالتيار (الليبرالي) ومرة أخرى أرنو هنا إلى (التجريد) الذي يضع الأمر فى نصب عقلانية لا تجعل من تضادهما مخلباً لإقتناص الواحد فيهما الآخر... فأنا أود حضور كليهما وبكامل الإعتبارات المعنوية والفكرية والتجاربية ليكونا محوري الصراع نحو سودان أفضل.. والذي هو السودان الديمقراطي الذي يتسع لكل أبنائه... والصراع الذي أعني هنا لا ينتهي بالإقصاء, بقدر ما يوقد مشاعل المنافسة بين الأفكار والطرائق والتوجهات المختلفة, أريد بهذا أن نرسي (أساساً) إجتماعياً للعملية السياسية المرتقبة والقائمة على الإختيار الديمقراطي والتفويض الشعبي, وليس من بينها مشروعية مستدامة لأسباب تاريخية ولا أخلاقية ولا مجتمعية, فكل الأمر يحسمه الناس وعبر إختيارهم الحر الديمقراطي... والمتجدد المستمر. فالمنحى الإسترشادي الأولي لتعظيم قيمة هذه الفكرة, هو إعادة توقيع الجزئيات المتخلفة للمشكل السوداني وإلحاقها موضوعياً بكينونة فكرية أوسع ولما إخترت هنا المحافظية والليبرالية, وحيث يتم الإلحاق بحسب طبيعة كل جزئية وقواها الإجتماعية ومحتوى مبادرتها من ناحية, ومستوى تواؤمها مع البديل الأعم والحامل لصفاتها الجوهرية من الناحية الأخرى, وهنا أول إمتحان (للصبر) على إدغام فكرة فى كيان, وفي إطار مدامجة تحتاج إلى فكر ومشاعر وتقديم جزل للموضوعي على الذاتي والمجتمعي على الفردي. وإذ لا أغفل المبتدأ السياسي لهذه العملية فأعتقد فى أهمية تفكيك الأوضاع التنظيم/سياسية الراهنة, بما يسكن كل فرد حيث يطيب مراده الفكري وضميره السياسي, أو كما يقال بلغة الرياضة (فك التسجيلات) السياسية والمعنوية ليحدث الحراك المنشود, وليس في التاريخ الإنساني أمثولة بعينها لأستشهد بها.... لكن... إن إقتضى مخاض شبه القارة الهندية يوماً ما الهجرة الجغرافية لعشرات الملايين من الناس, فإن أزمة السودان ونهضته تتطلب هجرة فكرية على قطاري المحافظية والليبرالية... رحلتين متضادتي الإتجاه... والخدمة واحدة والغرض هو راحة الناس ونهضة وطن. فنعم.... أقصد إعادة بناء كل الحركة السياسية السودانية على أساس محوري جديد, وغير أن هذا يساعد في إستيعاب دواعي وتداعيات أزمتنا الوطنية ويخلصها من الشوارد مفتوحة النهايات, فإنه يطبع حياتنا السياسية على أسس جديدة مفهومة وقابلة للتفاعل مع معطيات السياسة وعالمها الواسع المعقد, هذا إضافة إلى أن كيانات السودان السياسية مدعوة عبر التاريخ وشواهده أن تجري تغييراً في أوعيتها ومنطلقاتها وآليات تنظيمها بما يستوعب متغيرات العصر وضرورات الإلتزام بالديمقراطية, وهنا ينضاف عامل حيوي ومؤثر هو اللحظة الوطنية وتوالياتها الموضوعية, والتي ينبغي أن تجد الإعتبار المتقدم في أروقة العمل السياسي وإن يتأتي ذلك خصماً على المرجعية الفكرية أو التاريخية للكيانات المعنية... فالتحدي الذي يواجه سودان اليوم لا يتهدد الأفكار المتخلفة وغير المواكبة وحسب, بل يواجه المنابر الحاملة لتلك الأفكار ويقرن مصيرها بمصير السودان, وحيث تنتفي موضوعياً قيمة تلك المنابر إن تمزق السودان, أما أن يظل السودان... فهذا ما ينيط بهم تقديم الوطن على الآيدلوجيا وعلى العشائرية وعلى الإقليمية والإثنية وما يتصل... ولهذا فالتغيير المرتقب ينبغي أن يتجاوز السقوف الشكلية والترميمات الجزئية إلى إعادة بناء كاملة ووفق منهاجيات جديدة, يقوم فيها الوطن مقام الآيدلوجيا والديمقراطية مقام القلب في الجسد... تحول جوهري لابد وأن يكون, وهو تحول ليته يستقصد المزيد من الوحدة بين أهل السودان ولما أضناهم التشرزم والإحتراب, ولأن ليس فى الإمكان أن يتحد كل الشعب تحت راية واحدة, فرأيت أن صيغة (محافظية/ليبرالية) تبدو أكثر موضوعية وقدرة على لملمة الأطراف السودانية وإعادة صياغة مواقفها الفكرية على نحو أشمل وأكثر واقعية وقابلية للتطبيق. غير ان من المهم العلم بأن هذه صيغة للمقاربة الفكرية وليس لها بعد إلزامي على المستوى السياسي, إذ لداعية ديمقراطي فليس في مقدوره أن يحدد (عدد) المنابر السياسية فى مجتمع ديمقراطي, بقدرما المقصود هو توفير مناخ فكري واضح الملامح والخطوط الكنتور/سياسية, وذلك بغرض مساعدة أهل السودان فى إفتهام أوضاعهم وفي قراءة أحلامهم وفق خارطة فكرية وإجتماعية بينة المعالم والمداخل والمخارج.. فالحرث القديم لم يورث السودان غير أزمته الراهنة والمتجبرة... ومن نافلة الإحساس بالوطن... فلا بد من المقاربة والتجميع وإعادة التقسيم... إن شئنا أن نوفر لعلمنا السياسي آفاق فكرية في حدود واقعنا الموضوعي. ربما تتوافق إصطلاحية (المحافظية والليبرالية) من جانب مع مصطلح اليمين واليسار من الجانب الآخر, ولا تهمني مثل هذه التصنيفات وإن لا أمانع فيها, بقدرما يهمني المحتوى الإجتماعي لكل دعوة ومقادير إستنفاع شعبي بها أو تضرره منها, فخيالي مهما تصافى لا يتجاوز مقدرات التجربة التي بين ظهرانينا, حيث ما نهضت أمم من قبلنا إلا ولأنها إشترعت لحكمياتها طرائق عملية تعبر عن إختلافاتها المذهبية وعن وحدة وسائلها (الديمقراطية)... وهذا ما أتمناه للسودان... قيام معسكرين فكريين كما فى الغرب يتناوبان فى مناداة الجماهير ويتطوعان لخدماتهما حسب قوة التفويض الديمقراطي المتاح لكل. فإن إخترنا أن نجمل أحوالنا فى مصافين جديدين/قديمين, فلقوى المحافظية يدين الكثير من تاريخنا ومن قيمنا الإجتماعية والدينية والأخلاقية, وهي قيم تمددت وأتسعت كما أرجاء الوطن, لكن عبر الوصائية فقط... أي لم تتطور المرجعية المحافظية بما يجعلها تقبل النقد والمضاهاة والإنتخاب, وهنا التحدي الأول الذي يجابه أهل هذه المدرسة... أي تحويل رصيدهم التاريخي إلى رصيد إنتخابي... وفيما يعني إستمرار حالة الحضور والحراسة والتجديد لأفكار تلك المدرسة والقبول بإختيار الناس, فثمة العصر لا تحتمل ثابتاً غير حرية الإنسان وحقه فى الإختيار... وحيث أرى فى هذا التحول قيمة ديمقراطية وإستصحاب لمنهج التحديث وإجتهاد مستمر لإقناع الناس بجدوي أفكارهم.... وأغلب سمات المدرسة المحافظية على العموم وبين أهل السودان كذلك هي: قوة إرتباطهم بالدين والمرجعيات الروحية عموماً ومحاولتهم تسخير القيم المستقاه من المؤسسات الروحية لصالح منظورهم الفكري والإجتماعي وفيما يشير لعزمهم التاريخي في إقتفاء مصادر التشريع الديني والتشبث بها... وكذلك حرصهم على إعلاء رايات الأخلاق الحميدة وفق منظورهم الذي يرون... وكذلك ميلهم الغالب للتماهي مع آليات الإستثمار والسوق المفتوحين, وكذلك زعمهم بدأب الزمن والعلم والمتحولات الإجتماعية لإثبات فرضياتهم المقررة سلفاً... لهذا وغيره... فالقوى المحافظية تسرف القول والفعل لجهة التاريخ والقيم... فيما تستقطر القليل من بئر العصر ومن سحائبة الغائمة على رؤوسنا... مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية والإنفتاح على العالم وعلى التقنية والمعارف الإنسانية... فلهذه المدرسة محددات فقهية وأخلاقية معلومة, منسجمة مع ذاتها ومتناقضة مع موضوعها... مع ذلك فهي تمتلك القدرة على المسايرة وتدخر في محفظتها فقها لإستعلام اللحظة والتجاوب معها... فقط حيث يقبعون... يقبع جل السودان... وهذا مهم... لحيث يحتلون موقع (الفرامل) في مركبتي المتخيلة للسودان... وما أهم الفرامل... حين المسير فى شارع عام متعدد المسارات والمنعطفات. أما المدرسة الليبرالية... وحسب المشهد السياسي فى عروضه التاريخية, فهي تزعم لنفسها ممالأة العصر والإطراد بإسمه... لحيث الدعوة للديمقراطية أضحت اليوم فى عداد الأمر المفهوم, وقد تسربت إلى السودان (المحافظ) مع الموجات الصاعدة والمترواحة بين لجج الدعوة الرافضة للإستعمار والمتصالحة معه في آن... كما أرخت الحرب الباردة بسدولها الآيدلوجية على السودان, وصار أكبر (مبشر) بالمواثيق والإتجاهات الليبرالية هو الحزب الشيوعي السوداني, وإن يتعارض ذلك موضوعياً وفكرياً مع رسالته الطبقية... لكنها بالقياس الإجمالي مأثرة لهذا الحزب لا يفسدها غير إستربائها فى كنف شمولي ظلت جيناته الوراثية الكلاسيكية تتنحى يوماً بعد الآخر لمصلحة المحدث... كما تقافزت النظميات العشائرية والصوفية فى خارج سياقها وأقامت لنفسها جسوراً إسثنائية مع الفكرة الليبرالية وعلى نحو أقرب إلى اللحاق بالسوق السياسي من إعادة تأهيل بناها التاريخية على أسس سياسية... لهذا وغيره... إرتسمت فى أفقنا الوطني لوحة أقرب إلى التجريد من التعبير عن أمرنا الواقع... ولهذا أيضاً كانت تلك الرحلة السياسية المضطربة للأفكار والمبادرات الليبرالية, فيما المفاهيم والمشاعر والقوى الليبرالية المرابطة على الشارع السوداني وسواء حدث ذلك بشكل عفوي أو تعليمي, فهو أفعل وأوقع مما يعبر عنه ممثليها على المسرح السياسي. مع هذا... تظل المفاهيم الليبرالية قوة عصرية لا يمكن تجاوزها وسوف تحتل موقعها المتقدم في حلبة الصراع السوداني بحكم خلو حواملها الفكرية من العوارض الآيدلوجية, وتماهيها فى اللحظة الإجتماعية وتحررها النوعي والذي يضعها فى لحمة مباشرة مع إيقاع الحضارة الإنسانية المعاصرة... لهذا فهي تمثل في الجانب الآخر من تقديري بدال السرعة... وما أهم السرعة فى مركبة تجوب شوارع العصر. إذن... فثمة تواقع موضوعي حين حضور كلا التيارين... فالمحافظية سوف تهتم بالتاريخ والذي يعني في آفاقنا الجمعية والوطنية (التراث والأخلاق)... وبمعنى المحافظة على القيم الرمزية والروحية للمجتمع. بينما سوف تتداعى المفاهيم الليبرالية فى إتجاه تحسين البنود المعيشية والأحوال الحقوق إنسانية والإمارات التكنو/عصرية... فيما الرابط بين هذين السبيلين ينبغي وأن يكون الديمقراطية وقبولهما بثقافة وآليات التحكيم الديمقراطي. أظن بهذا أن هنا مرسى لتحط قافلة أحلامنا الرامية إلى إعادة تقرير وتأهيل بنياتنا الفكرية والسياسية والإجتماعية, بما يعيننا على تجاوز شتات المحاولات الرامية لتفسير أحوال السودان.... وكذلك بما يؤهلنا للإلتحاق بمشروع عملي لمجابهة قضايا الوطن... وفي إطار سمات العصر ومقتضياته. وإن وصلت إلى منتهى لمقال... فلا بد وأن هنا مبتدأ لحوار... آمله مفيد... وبناء.
|