صحيفة الأحداث السودانية يومية سياسية شاملة مستقلة تصدر عن شركة نسق العالمية  
     
 

 
التسجيل  |   الدخول    
   





الخميس 3 يوليو 2008
- العدد الحالي: 257
- الأعداد السابقة:
Google Custom Search

العدد 257 - الخميس 3 يوليو 2008

قطاة عزها شرك في مبنى المغتربين بدنقلا
ازهرى عيسى مختار

لا أدري ما الذي جعلني اتذكر أحد أبطال رواية أمريكية كنت قد قرأتها منذ زمن بعيد جدا – في زمان الصبى والشيطنة - قبل أن تطل علينا القنوات الفضائية بغثها
 
وتثمينها لتحرم جيلنا الحاضر من لذة القراءة والاطلاع. اسم الرواية على ما أذكر "The Fan Club " ومؤلفها الكاتب الأمريكي ايرفنق ولاس. وهي تحكي عن أربعة رجال قاموا بأبشع الجرائم وعاثوا في الأرض فسادا وخطفا وتطاولا على الأخلاق والعرف والقانون وتمادوا في غيهم وضلالهم الى أن جاء دورهم لتنتهي حياتهم بنفس مسلسل العنف الذي أثاروه، ولكن المدبر الرئيسي للخطة آدم مالون ينجو بجلده فارا من الساحة ليجد الأمان والطمأنينة وهو يدخل شقته الهادئة الوادعة وما كان يظن بأنه سيتمكن من العودة اليها مرة ثانية بعد عاصفة الطيش والأهوال التي ألمت به أو بالأحرى ألم بها وغيبته عن شقته أياما وكأنها سنوات وأجيال.
ربما كانت عودتي الى أهلي وبيتي وشعوري بالطمأنينة والارتياح وأنا ألج شقتي في حي الكندرة من جديد محفوفا بغبطة أسرتي وفرحتهم بالعودة باعثا لتلك الذكريات برغم الفارق الشاسع فيما بيني وبين أبطال الرواية وفيما بين دنقلا و بين شيكاغو التي ولد فيها مؤلف الرواية.
وكان قد ساورني نفس اليأس والقنوط والضجر حينما ثار خلاف بسيط فيما بيني وبين ضابطة الزكاة في مبنى شؤون المغتربين بدنقلا. وأنا أصر على تأنيث مسميات الوظائف متى ما كانت تشغلها أنثى خلافا لما تطالعنا به الصحف في هذه الآونة وتصر على تذكير مسميات وظائف السيدات ويقولون مدير بدلا من مديرة ووزير بدلا من وزيرة ورائد بدلا من رائدة وهلم جرا حاجبين بذلك خاصية التحديد الصريح التي تتسم بها لغة الضاد وتتميز بها عن غيرها من اللغات. يقول الزمخشري شيخ اللغة العربية بلا منازع في شرحة لقصة الملكة بلقيس (يروى أن نسخة الكتاب الذي بعثه سليمان الى بلقيس كان على النحو التالي: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ‏:‏ السلام على من اتبع الهدى. وكانت كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً لا يطيلون فيها ولا يكثرون وطبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه) ولو كان تذكير الوظائف واجبا لجعلنا وظيفة الملك وهي اعلى الوظائف في الأرض بصيغة المذكر وقلنا ملك بدلا من ملكة ولقلنا سلطان بدلا من سلطانة .
أعود الى الخلاف الذي كاد أن ينهي إقامتي في المملكة العربية السعودية ، وهو أن الضابطة سألتني عن دخلي الشهري فأخبرتها بأنه غير ثابت وقد يزيد أو ينقص. فطلبت مني أن أحلف على ذلك فرفضت الحلف لأنني سأحلف على بيانات غير موثوق بها وعلى شئ غير يقيني. ولكنها أصرت على رأيها متمسكة بأن القانون يتطلب ذلك. فأوضحت لها بأن مبدأ الحلف هو حل أخير يلجأ اليه الطرفان حينما يحتدم الخلاف بينهما . وكنت استند في نقاشي معها على الأسس التالية:
(1) البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر
(2) كنت مستعدا لتقديم أي بينة تطلب مني كشهادة من موقع عملي أو بيان لحركة حسابي بالبنك وخلافه ولكنها لم تطلب ذلك
(3) طلبت منها أن تضع هي تقديرا لدخلي وبالتالي سأكون ملزما بهذا التقدير مهما كان طالما جاء بناءا على حساباتها وذمتها، الا أنها لم تقبل ذلك
وعندما احتدم الأمر تركتها وتوجهت الى المدير المسئول وشرحت له موقفي فاصطحبني اليها لكي يتوصل معها الى حل مناسب، وما كان منها الا التشدد أكثر والاصرار على أن أحلف أمامها.
أصبحت القضية أن أكون أو لا أكون. أن أتحصل على تأشيرة الخروج أو لا أتحصل. أن أعود الى أسرتي في جدة أو لا أعود. وبدأ إبليس اللعين يمارس لعبته الخبيثة ليدندن ويوسوس. آدم مالون يعود الى شقته على الرغم مما اقترفه من ذنوب وآثام. أما أنا فلن أعود الى أهلي مهما كانت مسكنتي ومهما كانت براءتي. أتوسل بكل شئ. أحاول أن أشرح موقفي، أسوق الأدلة، أبرر وأصعد الدرج الى الجهات العليا وانزل ثانية واكرر السؤال والاستجداء والصراخ والنداء ولكن بلا سميع أو مجيب :
ويسمع مني سجع الحمام وأسمع منه زئير الأسد
الى أن جاء الحل بعد أن تأزم الوضع وضاقت الأمور واشتدت حلقاتها ولكن على حساب وقتي واجازتي القصيرة. البلاد واسعة والناس أصناف وفئات وأشكال وألوان. العقل البشري يعمل بسرعة في ساعات الذروة والتوفيق الالهي يسعفك حينما لا يكون لك ملجأ إلا الله فإليه المشتكى والتكلان.
تذكرت أنني قد أنهيت اجراءاتي ذات مرة في مدينة بورتسودان ثغر السودان الباسم في أقل من نصف ساعة ولم أعرف فيها أو يعرفني أحد . تذكرت ذلك المدير الطيب في مبنى المغتربين بحي ترانزيت وهو رجل بسيط ووقور لا أعرفه ولا يعرفني الا أنني وجدت نفسي مضطرا بعد أن استلمت جوازي في أقل من نصف ساعة أن أعود اليه وأشكره على خدمات ادارته فرد علي هاشا باشا " عندكم في دنقلا يمكن يكون أسرع من كدا"
تذكرت أشياء كثيرة وبدت لي أبواب كثيرة ودروب جمة الا أن دنقلا العزيزة لم تكن من بينها ففقدت أمي الحنون يومين كاملين حرمت عيناها من أن تقر بهما وأصبحت تردد فيما بينها وبين نفسها اثر سفري المفاجئ "لا شوفتن تبل الشوق ولا خبرن يطمن".
دعواتي لها أن يعوضها الله أياما أخر وأن تقر عينا كل أم حنون بقدر ما تعطي من حب ودفء ورحمة. ولا أستطيع أن أدعو غير ذلك مهما كانت الأحوال والدواعي.
جدة – جامعة الملك عبدالعزيز

 تعليق على الموضوع
عنوان التعليق    
كاتب التعليق    
العنوان الإلكتروني    
   
نص التعليق
إضافة تعليق 
 

 التعليقات
 
1
 

 صور متعلقة
لا توجد صور مرفقة
 

 اقرأ أيضا في: الرأي