صحيفة الأحداث السودانية يومية سياسية شاملة مستقلة تصدر عن شركة نسق العالمية  
     
 

 
التسجيل  |   الدخول    
   





الخميس 3 يوليو 2008
- العدد الحالي: 257
- الأعداد السابقة:
Google Custom Search

العدد 257 - الخميس 3 يوليو 2008

يوميــــات صحفيـــة تحــــت الحصـــار
أم درمان:درة قمبو

(أيوه الكنافة والقلاش) هكذا أنطلقت حنجرة البائع العجوز على ظهر دراجته في مشهد أعتاده سكان حي بانت غرب, معلناً عن عودة الحياة مقتربة من ملامسة عاديتها
 
ككل يوم بعد مساء أدرك الآن و لأول مرة معنى وصفه بالطول, فعندما أنهمر الرصاص وعلت أصوات الدانات عصر أمس لتوقظ البعض من قيلولته ظن سكان أم درمان أنهم بالقطع بمنأى عن كل بأس , خصوصاً عندما تناقل الأثير أن قتالاً غير متكافئ يدور بين شرطة السجن الجديد خارج شمال غرب أم درمان وقوة مسلحة من حركة العدل والمساواة يبدو أنها في مأزق حقيقي بعد وصول تعزيزات من وسط الخرطوم إلى منطقة إطلاق النيران الكثيفة, لكن الطمأنينة تبددت سريعاً حالما لعلع الرصاص في شوارع قريبة من وسط المدينة القديمة.
الساعة تجاوزت الرابعة بقليل عندما هزت المسامع أصوات الدانات وهدير الرصاص مكان بعيد, كانت شقيقتي تتابع مسلسلها التركي المدبلج (سنوات الضياع) وهي لا تدري أن ساعات الضياع ستبدأ لتوها, لكن تدفق السيارات المنحرفة عن الأسفلت وهى تنشد السلامة داخل الأحياء بعد أن عز بلوغ الأمان في الشوارع الرئيسية، في الخامسة والنصف تغير كل شئ إذ بات ظاهر الأحياء مثل باطنها يشكو قلة الأمن وكثرة خفقان القلوب من القزع, إذ تحول الرصاص الى زخات , فرغت على إثرها الشوارع من المارة والسيارات وباتت المنازل تستقبل المواطنين المذعورين في كرم سوداني عادي ومألوف, حتى إن صاحب السيارة نصف النقل الذي دعا نفسه إلى دارنا, لم يجد مناصاً من إغلاق محرك سيارته وطرق أقرب باب يقابله, وقال إنه قادم مع رفاقه من كرري حيث كانوا بصدد إكمال صفقة شراء بصل, لكن كثافة الرصاص صدتهم عن مقصدهم, لكنهم فوجئوا لدى وصولهم إلى حي بانت بنهاية شارع الأربعين من ناحية الجنوب, بأن الوضع أسوأ بكثير من المناطق الأخرى في شمال أم درمان, كنا نراقب طول ذاك المساء الذي بدا سلحفائياً بشكل لا يصدق, فالدانات لا تكف عن هز النوافذ والمراوح في سقوفها, وحتى السماء خلت من الطيور وأنقطع نياح الكلاب اللائذة بقعور الحيطان, وسكتت قطتنا اللحوحة في بحثها عن وليدتها التي ألقى بها أحدهم خلسة في الشارع أملاً في التخلص من كثرة صغار الهررة في المنزل, كما أن الرصاص بات يتساقط على المنازل بشدة, ففى منزلي فقط غرب إستاد الموردة, ألتقط شقيقي رصاصة من الفناء, وما كاد يرفع رأسه حتى أصابت أخرى الحائط, ملقية ببعض من الأسمنت القديم على أرض الدار, ثم رصاصة ثالثة تكمل الصورة بقطع سلك الكهرباء الذي يمتد من العمود الى المنزل, ووقتها كانت الأسلاك هامدة بعد أن سارعت الجهات المعنية الى قطع الإمداد عن الأحياء في أغلب المدينة وتبعه إنقطاع المياه , لتغرق المدينة في الشح والخوف.
عتدماخفت حدة الرصاص خرج المواطنون كعادتهم – لتفقد أحوال بعضهم, وساعتها بدأت الأخبار تترى, جارتنا سلوى أصابها طلق ناري في فخذها وهي تهم بإحكام إغلاق باب غرفتها عليها وأولادها, ثم حكى شباب الحي عن السيارة اللاندكروزر ذات الدفع الرباعي المكشوفة التي دخلت الحي من الناحية الغربية بمسلحيها الملثمين ظاهري الإعياء الذين كانوا يسألون السكان عن الطريق إلى قسم الشرطة الجنوبي بحي أبى كدوك,وبين الحين والآخر يمر راجلون يقصون رحلاتهم ومسيرهم من بحري إلى بانت عابرين إلى الفتيحاب على الأقدام تحت الرصاص المنهمر, بينما كان الصغير أحمد عاصم يسأل والدته ببراءة شديدة وجدية أشد.."(هل يهاجمنا الآن الإسرائيليون؟")..قبل أن يرخي الليل ستره مغافلاً رصاص المسلحين والمدافعين, ليبقى الناس في ظلام مجهول النهاية, وكذا الحال الذي هم فيه من المصير.
بعد صلاة المغرب بدا الوضع هادئاً بعض الشئ إلا من أصوات رصاص متقطع ينطلق من حين إلى آخر من نواحي شارع العرضة وحي المهندسين حيث تتصاعد الأدخنة منذ العصرمن قبالته في مقر سلاح المهندسين وتبين لاحقاً أن محطة وقود على سوره تعرضت للنيران غير أن الهدوء النسبي أغرى أصحاب المتاجر الصغيرة بالأحياء لفتح أبوابها لتزويد المواطنين يالمؤن بينما خرج أغلب سكان الحي للمبيت في الحيشان حاسمين الجدل عن خطورة الوضع خارج الغرف , لكن الطلقات والدانات التي تقطع صمت الليل لم تكف حتى بعد عودة التيار إلى بعض الأحياء قبل العاشرة بقليل, وأستقبله المواطنون بفرح أكبر من أى وقت مضى لا لشئ سوى أنهم سيتمكنون من مشاهدة الحقائق على الشاشات ليتيقنوا من أن الوضع أفضل مما يشعرون .
طوال الليل لم تكف السماء عن الوميض بنيران الدانات وأصوات الطلقات تقطع السكون,حينها كنت أفكر لأننى شاهدت هذا المساء بيروت اللبنانية على الهواء هنا في الحي السكني الذي أقطن فيه, بدلاً من متابعتها على شاشات الفضائيات, غير أن الهدوء عم الأجواء تماماً في الرابعة صباحاً , حتى أنطلقت في السادسة وعشر دقائق زخات رصاص أيقظت الجميع فزعين, ومهرولين الى الغرف من شدة قربها من المضاجع, وتبين لاحقاً أن مسلحين من المهاجمين كانوا يحتمون بملعب الموردة الذي يتوسط الحي, بائع اللبن لم يوافي زبائنه بحصصهم اليومية من اللبن, لكن لم يكن هذا ما يقلقهم بقدر إنشغالهم عليه, فللرجل معهم عشرة عمرها أجيال وعقود طويلة, وبدأ الناس يتنقلون بين الأحياء القريبة بثقة كبيرة, ومعهم تتدحرج الأخبار عن مصرع المسلح بمنزل الحاج هاشم حجوج بأبي كدوك حيث تسلل أربعة منهم إلى منزله طلباً للحماية لكن لاحقهم رجال شرطة إلى داخل المنزل, كما أصيب أستاذ جامعي بحي المهندسبن وهو عائد إلى منزله في غمرة الأحداث أمس الأول, وسقطت قذيفة في منزل بحي العباسية وأصيبت فتاة في مكان آخر من ذات الحي, لكن ما حدث لم يكن هذا وجهه الوحيد, فقد تكسب سائقو الركشات على نحو غير مسبوق أمس, حيث بلغت أجرة المشوار من أمام مستشفى أم درمان الى أول أحياء الثورة عشرة جنيهات لمسافة لا تتعدى الكيلو مترين ونصف فقط, وطلب سائق الركشة خمسة جنيهات لقاء توصيلة من ميدان الشهداء الى سجن أم درمان وهي مسافة تقل عن الكيلو متر الواحد, كما ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية لدى الباعة المتجولين مثل البيض والخضروات, بينما لم تختفي تجمعات الشباب في الأحياء لتبادل الأخبار والحديث عن مباراتي فريقي الهلال والمريخ مع الفريقين الأجنيببن مساء أمس, وبين تلك الأحداث تترى الأنباء عن الشبان في الأحياء وهم يلاحقون المسلحبن المنهكين في منطقة ميدان الخليفة وشوارع العباسية والموردة, دون أن ينسوا طلقات الرصاص المتقطع التي تذكر بنفسها من حين لآخر , قبل أن يتناقل الينا الخبر أن مسلحاً تائهاً ألقي القبض عليه في أحد الأزقة أ ثناء محاولته طلب العون من السكان دون أن يسمع شخص أن أحدهم حاول إستخدام القوة ضد العزل, فقد أجمع الناس على أنهم كانوا فى حال بائسة ومزرية, وتبدو عليهم علامات الإعياء والتوهان , غير أن الجميع أيقن أمس الأول أن حي بانت كان في قلب العاصفة وأنه ليس من رأى كمن سمع.

 تعليق على الموضوع
عنوان التعليق    
كاتب التعليق    
العنوان الإلكتروني    
   
نص التعليق
إضافة تعليق 
 

 التعليقات
 
1
 

 صور متعلقة
لا توجد صور مرفقة
 

 اقرأ أيضا في: ما وراء الأخبار