صحيفة الأحداث السودانية يومية سياسية شاملة مستقلة تصدر عن شركة نسق العالمية  
     
 

 
التسجيل  |   الدخول    
   





الخميس 3 يوليو 2008
- العدد الحالي: 257
- الأعداد السابقة:
Google Custom Search

العدد 257 - الخميس 3 يوليو 2008

كان أستاذي وكنت نجيبه (أقاصي الدنيا )
محمد محمد خير

أنا ضد الفكرة التقليدية التي تحرّم تقريظ الأسماء وتمنح هذا الحق فقط بعد مغادرة الروح الجسد. حينها لن يسمعك من تمتدحه ولن يسعد بما قلته لأنه في ملكوت آ
 
خر، ولعل أجمل الأشعار التي قرناها هي ما كتبه المتنبي في مدح سيف الدولة وهو مقيد على دفاتر الحياة.
أحمد الله أنني كتبت كثيراً عن محمود أبو العزائم وهو في كامل العنفوان بحضوره الدائم وسخريته المميزة وتعليقه الرشيق وحبره السيّال وقلمه الدفاق .
محمود أبو العزائم أستاذي وهو من علمني الجرأة وراقبها تسري في دمي حتى اطمأن أنها انغرست، وهو أحد أبرز وأهم العصاميين في السودان لكونه كان متعدداً، هو السياسي الوطني الذي تربى في كنف الحركة الوطنية وارتبط برموز استنارتها، وهو الصحفي العلامة الذي كان يعرف الخبر الذي يسري والتعليق الذي يستدام، وهو الإذاعي الذي نقل الإذاعة السودانية من الرتابة إلى الطلاقة، هو أول من أدخل مفهوم الـ (FM) على الإذاعة .. الإيقاع السريع والخبر الاجتماعي والبحث الرشيق في (سحارة الكاشف) ... حوّل نشرة الأخبار الرسمية من سيرة ذاتية للدولة لطيوف تأسر كل فئات المجتمع.. كان مسكوناً بالحداثة وكان مرجعية الجمال.
هو ليس سياسياً وصحفياً وكاتباً وإذاعياً فحسب، كان أيضاً يمتد للشاشة وبهذا الركن يكون قد استكمل كل أجناس الإعلام صحافة وإذاعة وتلفزيوناً علاوة على نضجه السياسي وبعد نظره وقراءته المتعددة الجوانب للأحداث متعددة الزوايا.
في غمرة نجاحه الباهر عام 77 في التجربة المقصورة عليه (إذاعة صوت الأمة) قدم برنامجاً أطلق عليه (كتاب الفن) كان ركناه الراحل إسماعيل عبد المعين والراحل حسن عطية وامتد ذلك البرنامج الأسبوعي لعام كامل أحاط من خلاله على أسرار موسيقية وفنّد عبد المعين السلالم الموسيقية وقدم حسن عطية الدرر النفائس وكان زمن البرنامج ساعة كاملة وكان هذا الزمن يزعجه لأن إيقاع الإذاعة قائم على الزمن القصير والمادة المكثفة والإيقاع السريع فأوقف البرنامج لأن ذلك يتعارض مع قوام الإذاعة، فاقترحتُ عليه في إحدى الاجتماعات بأن يكون زمن البرنامج 15 دقيقة وعنوانه (صفحات من كتاب الفن) يعيد من خلاله إنتاج نفس المادة بإيقاع إخراجي مختلف فقال لي (والله يا ابني إنت اتعلمت). رحمه الله فقد كان لا يقرّظ إلا في الفعل الحسن.
وأبو العزائم قارئ ينتخب الطيبات من الكتب ويعرف مقامات الكُتّاب، لم أسمع بالشاعر كمال عمّار إلا عنده وحين قرأته أحاطني ذلك الشاعر بأجواء عبر العامية المصرية لم أتنسّم أريج هبوبها اللطيف حتى الآن.
كان كاتباً صحفياً ذا عبارة خاصة تحس أنه رباها في كنفه وغذاها من دمه وولدها من حبره . مرة كان يصف شوارع بكين عقب رحلة رافق فيها مسؤول فقال (إن شوارع بكين تزدحم بالنظافة).لعل هذه النظافة من إيمانه بنظافة الكتابة.
رحل أبو العزائم وخلفه مئات التلاميذ الذين رباهم وأحسن تقويمهم وأفاض عليهم بكل ما أفاده من زمنه الجميل.
اللهم أرحمه بقدر ما علمنا وألطف علينا بقدر ما لطف بنا وأقبله مع عبادك الأبرار والعزاء لكل الشعب السوداني في هذا الفقد الكبير والعزاء موصول لصديقنا مصطفى أبو العزائم ابنه وأحد تلاميذه، ولأختنا منى ولكل أسرته.

 تعليق على الموضوع
عنوان التعليق    
كاتب التعليق    
العنوان الإلكتروني    
   
نص التعليق
إضافة تعليق 
 

 التعليقات
 
1
 

 صور متعلقة
لا توجد صور مرفقة
 

 اقرأ أيضا في: الأخيرة