|
الرجل بمعروضاته ورسوماته التي أدمنت انتزاع الالتفاتة من الناس فى إمتداد شارع المك نمر جنوب أصبح مَعْلماً لا تخطئه العيون هو فى ذلك مثل فنار يستدعي الن
|
|
|
اس خدماته حين يكون الموقف يحتاج الى توصيفات دقيقة حتى إن البعض لا يجد حرجاً فى أن يقول لك إن الموقع يقع غرب أو شرق الرسام (ريشين) ذاك الرجل الذي أعلن تمرده على ضيق الامكانيات ومحدودية الدعم المعنوي الذي يبخل به الناس هنا باختلاف الازمنة على كل من ينتمي لقبيلة التشكيلين بصلة, يعجبني - وغيري كثيرون- في الرجل صدمته للواقع بتمرده المعلن على ايدلوجيات الامكانات الخراب ويدهشني - ومثلي آخرين - انه يراهن على امكانياته فى الهواء الطلق حيث يتسنى للخيول الاصيلة وحدها بلوغ لفة السباق الاخيرة. (1) تسمرت أفكاري في مخيلتي طويلا قبل أن اتخذ قراري حازما بهدم خلوة الرجل الذي اختار الركون وحيدا في باحة معرضه الذي منحني لاول مرة التفسير المنطقي والمرادف الحقيقي لكلمة معرض إذ ان ترويجه لبضاعته في الشارع يعني بدقة (عرض) اللوحات الى الجمهور. كل شيء في المكان يوحي بتفاصيل فنان, الهدوء يتسيد فضاء المكان على الرغم من أن هدير محركات السيارات يكاد يشرخ عصب السكون، لكن ثمة محفزات استنفرت قواعدها بداخلي لتُخرج تحية من فمي أحدثت هزة صامتة في المكان مثل محيط دائرة تعرف مداخيل النمو في بركة سطأ حجر عفوي على سطحها الساكن. لم تكن التحية لتفعل في الرجل وطقوسه اكثر من هذا في ظل هدوء وترتيب تتقافز مخصوصاته على تفاصيل صاحبها. مال الرجل ناحيتي بنصف استدارة ليرد التحية بأحسن منها مواصلا غوصه فى طقوس يومه العادي متأملا رسوماته ومنتظرا لزبون يسطو على هدوء الموقف, لم أنتظر طويلا وعاجلته بهويتي فعالجني بترحاب طاغٍ, قبل أن يكمل استدارته نحوي بصورة فيها حميمية ظاهرة. (2) الديباجة التعريفية للرجل تقول إن عبد الرحمن ريشين عبد الرحمن الذي يمارس مهنة الرسم جنوب الـ(بزيانوس) وغرب مستشفى ابن خلدون تنحدر أصوله من مدينة نيالا التي شهدت صرخة ميلاده وبدايات صباه وأيضا تعليمه الذي ارتقى فيه الى المرحلة المتوسطة, قبل أن ينقطع به حبل (العلام) في محطة نيله الشهادة الوسطى, كما ان ذات المدينة شهدت بواكيره الفنية في مجال الرسم, وتمضي ذات الديباجة التعريفية لتقول إن ريشين الذي استمد موهبته الفنية فى مجال الرسم مستندا على تأملاته للطبيعة لم يتأثر بأحد من مشاهير الرسم داخليا وعالميا كما انه عصامي من الدرجة الأولى إذ انه وحده من اكتشف في دواخله موهبة تجسيد الشخصيات بالفرشاة ساعيا فى أوقات لاحقة الى تطوير ذات الموهبة, غير انه لا ينسى الاقرار بأن ناظر المدرسة كانت له أيادٍ بيضاء عليه بعد أن تفلتت موهبته من طور التكوين الى مراحل النمو شبه الكامل. وتمضي الديابجة التعريفية لتقول إن ريشين الذي يبلغ من العمر حوالي 50 عاما سبق وان حاول الانضمام الى إحدى روابط التشكيليين لكنه تنازل عن الفكرة بعد أن رأى حرص تلك الجمعيات على تسديد العضو للاشتراك الشهري في حين أن ريشين قال لي (نحنا نمشي ليهم للدعم يقول ليك ادفع اشتراك). (3) يقول ريشين الذي تبدو على ملامحه مسحة من وقار الفن وطلاء من هيبة الغبش مجيبا على تساؤلي عن اختياره للشارع لعرض رسوماته (الناس هنا يفتقرون الى ثقافة الذهاب الى المعارض, مضيفا انه تخير أن يذهب الى الناس باعتراضه طريق سيرهم بحثا عن التفاتة عصية من عيون لا تود أن تكحل بياضها بمشهد يحترق من أجله الرسام), مبينا أنه لم يكن يوما حريصا على المشاركة فى المعارض الرسمية لذات الاسباب غير أن اصرار البعض جعله يحمل سفر القضية متجها الى باحة بعض المعارض دون أن يحقق من ذلك الجدوى الأكيدة فى استدارج الناس الى حب الفنون والرسم, مبينا أن جامعة السودان سبق وأن منحته سانحة الالتحاق بها ليمنح بعد انتظامه في قاعات العلم درجة البيكلاريوس فى الفن التشكيلي موضحا أن التزامه تجاه أسرته حال دون ذلك. (4) منذ زمن وأنا أحاول فك طلاسم هذا الرجل الاسطوري الذي يسترزق من مهنة يقول عنها أصحابها إنها جالبة للبؤس, منذ زمن أود فعل هذا يحفزني فى ذلك حرص الرجل على أن يسيل مداد فرشاته ليرسم فقط المنعمين من الحكام ونجوم المجتمع أو هذا ما يتبدّى للعابر الناظر الى لوحاته التى أصبحت إحدى علامات (شارع نمرة 2), ويدفعني فى ذلك همس الناس بأن هذا الرسام ليس سوى أرزقي يتكسب من فتات المشاهير والمنعمين وخصوصا ملوك وأمراء دول الخليج. كل هذا وغيره يطوق خاصرة التساؤلات عندي منذ أمد لذا لم أجد حرجا وأن أسمح بالسوال يتسلل من فمي ليلامس أسماع الرجل الذي لم يبخل على الافق بنظرة أعانت محدثي باستنفار دفوعاته التي يبدو أنه أعدها مسبقاً, يقول ريشين إن فرشاته ليست حصرية على شخوص بعينهم بل إنه ومنذ نحو عشرة أعوام قضاها فى هذا الموقع يستهدف الجمهور قاطبة دون تمييز, مضيفا ان رسم الشخصيات العامة وعرضها فى الهواء الطلق انما يسعى من خلاله للتعريف بموهبته والترويج لفنه بحثا عن زبون يود رسم صورته أو أحد أعزائه, مؤكدا انه حاول بعد أن (دقش أضانو كلام من النوع ده)، أن يعرض رسومات أشخاص عاديين لكنه عانى الأمرّين من جيرانه في الشارع ومن المارة بسبب تساؤل واحد مستغلين في ذلك رقم هاتفه الذي كتبته على الحائط (يا فنان الراسمو ده منو؟!). (5) قد لا تحتاج الى ذكاء خارق وانت تمر على معرض الرجل لتتفطن الى الاسباب التي تجعل ريشين يقوم برسم بعض الشخصيات ومن ثم عرضها بما فيها تلك التى يرسمها لشخصيات خليجية, قد لا تحتاج الى كل ذلك لكن ربما تستدعي ذكاءك لتجيب على دواعى رسمه لصورة الامين العام للامم المتحدة بان كى مون فى وضع يتوسط فيه خريطة السودان خصوصا اذ همس لك بقوله انه انما يرسم المشاهير ليبيعهم لانصارهم ومحبيهم او ربما يرسمهم قبل مناسبات كبيرة ذات صلة بهم, لكن حين تسأله عن ردة فعل زبائنه وزوار معرضه حول الشخصيات السياسية التى يرسمها فانه لن يبخل عليك بالقول ان البعض وإن تصالح مع اللوحة يباغتك بقوله (عليك الله ده زول ترسمو؟!) مبينا ان غالبية صور السياسيين تجلب لاذنه مثل هكذا تعليقات, مضيفا ان فرشاته تملك خواص فك طلاسم كل الشخوص بما في ذلك رئيس الجمهورية المشير عمر البشير الذى سبق وان رسمه لحوالى خمسين مرة وربما تزيد وباع لوحته بمبلغ (500 جنيه), غير ان محدثى ريشين لا يكاد ينسى اقبال الناس على لوحة صورة الشهيد المشير الزبير محمد صالح خصوصا بعد استشهاده, فى الوقت الذى يجد فيه الامام الصادق المهدي اقبالا يحازى رغبة الناس في اقتناء لوحة رئيس الجمهورية والشهيد الزبير, لكن محدثي لم ينس ان يخصني بقوله ان الاقبال على صورة الدكتور حسن عبد الله الترابي لم يكن بمثلما مضي – قاصدا ما قبل مفاصلة الاسلاميين في الرابع من رمضان – مضيفا ان الناس قديما كانوا يتوافدون عليه لاقتناء صورة الترابي (زمان الناس بجوني يقولوا دايرين صورة الشيخ قاصدين الترابي.. عاد كان في شيخ غيرو؟!). (6) لبرهة كان حبل حوارنا ينقطع بسبب تساؤل من زبون او مداخلة من صديق لكن ساقية الحكي تعاود الدوران ثانية, قلت لـ(عبد الرحمن) الذى يحرص على ان يوقع على لوحاته التى يرسمها باسم ريشين: بالنسبة للميرغنى ونقد هل سبق ان قمت برسمهم فأجابني بالايجاب مضيفا انه قام برسم غالبية المشاهير فى كل المجالات, حينها اسعفتني الذاكرة بتساؤل يبدو مهما حول ما اذا كان رسم صورة لجمال الوالي وغريمه صلاح ادريس فقال (رسمت الوالي وفى زول دفع لي فيها 2 مليون بالقديم لكن انا ما بعتها وقمت باهدائها الى الوالي)
|