|
تقديم: السطور التالية هي ترجمة مختصرة لجزء من مقال بقلم جبريل واربورج عن حدث نادر في تاريخ السودان و المنطقة بشكل عام ألا وهو زيارة مغامر أوربي يهودي
|
|
|
الديانة لمملكة الفونج ولسلطانها عمارة دنقس. والمقال منشور في مجلة الدراسات السودانية (التي تصدر في بريطانيا) في عددها رقم 34 في يوليو 2006، و كان قد قدم أيضا في المؤتمر السنوي للجمعية الدراسات السودانية في جامعة جورج تاون في صيف 2003. كانت تلك الزيارة موضوعا لمقال مشهور بقلم باحث إنجليزي اسمه إس. هيللسون في مجلة "السودان في مذكرات ومدونات" نشر عام 1933. شد اليهودي المغامر ديفيد روبيني (روفيني) الرحال إلى سنار للقاء سلطان الفونج عمارة دنقس عام 1523. كان أمرا مثيرا للدهشة أن يزور رحالة أوربي تلك السلطنة الإفريقية البعيدة العصية القياد، والتي لم تثر إهتمام أي رحالة أوربي أو من دولة أخرى. أتي ديفيد إلى سنار قادما من مكة، وهو أمر مثير للغرابة إذ أن الرجل لم يكن مسلما. من حسن الحظ أن ديفيد روبيني إحتفظ بيوميات ضافية عن مغامرته تلك كتبها بلغته العبرية. حفظت أصول تلك المذكرات في أكسفورد، بيد أنها إختفت في عام 1867. وبعد عقدين من ذلك التاريخ قام نيوباور في أكسفورد بتحرير ونشر بعض نصوص تلك اليوميات. لم يكن معلوما تماما عما إذا كان ديفيد روبيني يهوديا ألمانيا (كما زعم نيوباور) أو أن المخطوطة التي تركها لم تكن إلا تسجيلا خطيا لشهادة شفهية أدلى بها الرجل بلغة أخرى وسطرها يهودي ألماني بلغته. لم يهتم إس. هيللسون بكون أن ديفيد روبيني مغامرا ودعي، أو أنه كان عضوا في حركة شلومو مولوخو المسيانية اليهودية Shlomo Molcho’s Jewish messianic movement كما زعم مؤرخ يهودي بارز هو جراتز، بل إنصب جل إهتمامه على التأكد من صحة ما رواه ديفيد في وصفه لسنار ومملكة الفونج، وعما إذا كانت بحق تعد إضافة إلى ما هو معلوم سلفا عن تلك البقاع. لفهم يوميات ديفيد روبيني جيدا يجب أن نضعها في إطارها ومضمونها التاريخي الصحيح. ينبغي كذلك ملاحظة أنه وعقب محاكم التفتيش الإسبانية ونفي اليهود من مملكة فيردناند وإيزيبيلا قامت حركات يهودية عديدة في أوساط يهود الشتات، خاصة في البرتغال وإسبانيا وكذلك في أوساط اليهود الذين بدلوا دينهم بالمسيحية (وعرفوا بالمارون). لم يعلن ديفيد أبدا عن أنه مسيحي، إلا أنه إرتبط بصورة ما ببعض تلك الحركات اليهودية وبخاصة بجماعة شلومو مولخو. كانت تلك فترة صراعات دينية و ثقافية في أوروبا، خاصة بعد طرد المسلمين من غرناطة بإسبانيا في عام 1492. لذا فلقد سادت حينها تطلعات عند بعض الأوربيين للتمدد شرقا بغرض إزاحة الإسلام من بعض تلك المناطق، وللحصول على عون الإسبان والبرتغاليين في إعادة تحقيق حلم اليهود بإعادة توطينهم في أرض أجدادهم الأول. لم يلتفت إس. هيللسون في ورقته الشهيرة عن ديفيد روبيني إلى المواضيع الخلافية في أصل وديانة الرجل، بل ركز على زيارته لسنار وقرر أن معلومات ديفيد عن سنار في عام 1523 تبدو دقيقة ولم تكن لتتأتى له دون أن يكون قد إرتحل شخصيا إلى ذلك الصقع. سافر ديفيد إلى سنار منتحلا شخصية شريف من مكة (أي من نسل النبي محمد). يفسر ذلك الحفاوة الكبيرة والشرف العظيم الذي أسبغه الناس عليه في مملكة الفونج الحديثة العهد بالإسلام، وكان عمارة دنقس يعامله وكأنه "قديس". زعم ديفيد روبيني أنه ابن للملك سليمان وأخ للملك جوزيف والذي كتب عنه أنه "يحكم في مملكته في صحراء "خابور" (خيبر) khabor (بلاد العرب؟) نحوا من 300000 نسمة ينتمون لثلاث من "القبائل اليهودية العشرة الضائعة". زعم ديفيد أن أخاه الملك جوزيف قد أمره بالتوجه إلى روما للقاء البابا. يكتب الرجل أنه ترك من كانوا معه وقطع صحراء "خابور" وحل في جدة بعد مسير عشرة أيام. بعدها ركب ديفيد روبيني البحر الأحمر على ظهر مركب صغير رسا به في سواكن في أرض "كوش" حيث إكترى لنفسه دارا أقام بها شهرين متتابعين مع خادمه العجوز الأبكم الأصم. إلتحق الرجل بقافلة تجارية مكونة من ثلاثة الآف من الإبل متوجهة لشيبا (سبأ Sheba). إستغرقت الرحلة شهرين كاملين. عند وصوله قابل ديفيد روبيني الملك عمارة دنقس (1504 - 1533). سجل ديفيد في يومياته أن عمارة دنقس "يسكن على النيل ويسمى مملكته شيبا وعاصمتها لامول؟ (Lam'ul)، وهو رجل أسود اللون يحكم أناسا سودا وبيضا. ذكر هيللسون في مقاله عن ديفيد في مجلة "السودان في مذكرات ومدونات" المنشور عام 1933 أن لامول هذه تقع على النيل الأبيض على بعد مسيرة ثمانية أيام جنوب سنار. قدم ديفيد نفسه لعمارة دنقس على أنه "شريف من مكة"، فغمره بهدايا عديدة وأجزل له العطاء ومنحه الكثير من الرقيق. إمتنع ديفيد عن قبول الهدايا وقال لدنقس إنه إنما جاء لمملكته بغية التعرف على مباهجها وليس من أجل غرض آخر. صرم ديفيد روبيني عشرة أشهر في ضيافة عمارة دنقس في لامول، حزم بعدها حقائبه على عجل مع خادمه العجوز وسافر إلى سنار والتي وصلها بعد مسيرة ثمانية أيام. قيل إن السبب في رحيل ديفيد العجول هو وصول "شريف مكي" ثالث أسر لعمارة دنقس بأن ديفيد رجل يهودي ومحتال دعي. كانت لهجة ديفيد روبيني العربية هي لهجة المغرب العربي وليست لهجة أهل المشرق. عزز ذلك من شكوك الفونج في دعوي الرجل من أنه من "أشراف مكة". في سنار قابل ديفيد وكيل الملك واسمه عبيدة (هكذا). زود الرجل ديفيد بخادم آخر وثلاثة جمال ورافقه في رحلة إلى الشريف أبو كمال في سوبا عاصمة مملكة علوة التي كانت مسيحية قبل قيام سلطنة الفونج. عند وصول ديفيد لسوبا كانت المدينة أطلالا مخربة. حكى الرجل عن لقاه بإبي كمال فكتب في يومياته: "قابلني أبو كمال وبادرني بالقول "كيف تأتي من الملك خالي الوفاض من الهدايا والعبيد؟ ستبقى أنت هنا، وسأسافر للملك وأطلب منه نيابة عنك هدية من العبيد". وافقت على العرض، بيد أنني رأيت في منامي تلك الليلة والدي الراحل يحذرني من أبي كمال ويأمرني بمفارقته وإلا سألقى حتفي دون ريب." وهكذا فما أن أصبح الصبح حتى رحل ديفيد من سوبا دون إنتظار أوبة مضيفه. إتجه ديفيد روبيني من سوبا (والتي ذكر هيللسون أنها تقع على بعد 165 ميلا شمال سنار) شمالا عبر مملكة الجعليين. وصل إلى "جبل التقى؟ Ataqqi" (ذكر هيللسون أنه لم يستطع الإستعراف على تلك البلدة) حيث قابل حاكمها واسمه عبد الوهاب. واصل ديفيد رحلته إلى دنقلا حيث إشترى لنفسه عبدا آخر. رافقه عبد الوهاب حتي طرف الصحراء و إلي أن وصل النيل حيث يقطن أعداء عمارة دنقس. رحب هؤلاء بديفيد واحتفوا به. آب عبد الوهاب لبلدته وترك ديفيد مع مستضيفيه الجدد من كبار رجال "الإسماعيلية" والذين وعدوه بإيصاله لمصر في أمان. من ما يستوجب النظر فيما سطره ديفيد روبيني في يومياته أثناء إقامته مع مستضيفيه الجدد (من المصريين؟) أن وفدا من قبيلتين من "القبائل الإسرائلية الضائعة" زاره وأهدى له زوجا من أشبال الأسود (يقول هيللسون إن ما يورده ديفيد عن "القبائل الإسرائلية الضائعة" إن هو إلا محض أساطير ذاعت في تلك الأيام). أخبر كبير رجال "الإسماعيلية" ديفيد أنه رتب له مرافقة قافلة تجارية مغادرة لمصر إذ أنه يرى أنه من الخطورة بمكان أن يسافر لمصر في رفقة عبدين فقط. في ذات اليوم هرب خادمه الجديد فأبى ديفيد السفر لمصر دون عبده الآبق حتى في رفقة آمنة وسط قافلة كبيرة. طلب من كبير القوم البحث عن خادمه الهارب فعثر الرجل عليه وأعاده لسيده ولكنه ترجاه أن يعفوا عنه ولا يؤذيه. كتب ديفيد أنه ما أن أعطاه الرجل ظهره حتى قيد العبد بسلاسل الحديد حول عنقه وقدميه! في الرابع عشر من كسيليف (أكتوبر) عام 1523 عبر ديفيد روبيني ورفاق رحلته الصحراء ووصل ريف مصر مع مرشد له يسمى شالوم. قضي ديفيد أياما في بيت مرشده إلى أن تم تجهيز مركب نهري له حمله إلى القاهرة. تعليق على اليوميات: في ما عدا ما سطره ديفيد روبيني عن زيارته لعمارة دنقس ومقابلته للبابا في روما، والتي يبدو أنها دقيقة إلى حد بعيد، فإن مخطوطة ديفيد تخلو من أي شيء مثير للإهتمام. تجدر الإشارة إلى أن عالم في القدس (هو أ. إشكولي) ذهب في مقال له عام 1938 إلى أن كل ما سطره ديفيد روبيني إنما هو من نسج خياله ومنقول مما هو مكتوب حينها عن تلك المناطق. أضاف أيضا أن ما قيل إنه ديفيد روبيني سجله في يومياته إنما هى مخطوطة مزيفة تم وضعها لأسباب سياسية محضة. ذكر آخر أن أغراض ديفيد روبيني من رحلته تلك كانت سياسية وعسكرية منها شراء أسلحة وتدريب اليهود المنفيين من إسبانيا والبرتغال، وإرسالهم شرقا عبر القرن الإفريقي لمحاربة الأتراك. ذكر بعض المؤرخين أن ديفيد روبيني قابل الملك يوحنا الثالث في الحبشة وطلب منه تعبئة أحباش اليهود ومدهم بالأسلحة البرتغالية من أجل القتال في سبيل وطنهم وأرض أجدادهم التاريخية. عدّ بعض المؤرخين ذلك القول بأنه أحد "أحلام" ديفيد. ثار جدل كثير وسط المؤرخين حول نهاية ديفيد روبيني. قيل إن الرجل قد تم إعدامه حرقا بناء على أوامر محكمة في إسبانيا في الثامن من سبتمبر 1538. كان الرجل نتاجا طبيعيا لعصره. كان مثالا لليهودي الذي كان يتوق لإعادة اليهود لأرض أجدادهم التاريخية وإنقاذهم. قد يفهم من أن ما قام به من إدعاءات وإنتحال لشخصيات إنما هي "أحابيل" قصد منها تحقيق حلمه "المقدس". ولعله قصد من حكاية القبائل اليهودية العشرة الضائعة التي كان يروجها يهود إثيوبيا والذين تلف أصولهم غلالة كثيفة من الشكوك.
|