صحيفة الأحداث السودانية يومية سياسية شاملة مستقلة تصدر عن شركة نسق العالمية  
     
 

 
التسجيل  |   الدخول    
   





الجمعة ١٠ آكتوبر ٢٠٠٨م
- العدد الحالي: 350
- الأعداد السابقة:
Google Custom Search

العدد 350 - الجمعة ١٠ آكتوبر ٢٠٠٨م

تأملات الرفيق فيديل غولان وفاطمة السمحة
ترجمة مجدي الجزولي

منذ عهدي الأول، وأنا بعد اشتراكي يوتوبي، تشغلني الكيفية التي يغذي بها المجتمع كل وليد جديد بقيم الخير والشر وهو ما يزال، كم من الغرائز المحضة تشكله أم
 
ه بالدرجة الأولى ويشكله المجتمع من حوله في دورة تمتد عبر كل المجتمعات وكل التاريخ البشري.
لعبت الصدف دورا ثابتا وحاسما في حياتي، فأنا لم يتوفر لي سلف أنظر إليه. لذا بدأت أنسج أيديولوجية من صنعي الخاص منذ اللحظة التي تسنّى لي فيها أن أتأمل بعض الشيء العالم من حولي، أيام الطفولة والصبا ثم الدراسة. مثل التعليم بالنسبة لي وسيلة التغيير بامتياز، به يمكن تغيير العالم من حولي، وعليه يعتمد بقاء جنس البشر الضعيف. اليوم، وقد جمعت سنين من الخبرة، تتسق وجهة نظري حول هذا الموضوع الحساس كل الاتساق مع فكرة التعليم هذه. بخلاف الكثيرين لا أجد في النطق بالحقيقة حرجا مهما كان قبحها.
قبل ألفي عام تقريبا دافع ديموسثينيس، الخطيب الاغريقي المفوّه، بكل شراسة عن مجتمع 85% من أعضائه إما مستعبدين أو مضطهدين، ذلك في ميدان عام، وفي عصر كان انتقاص الحقوق فيه أمرا طبيعيا، بل كان فلاسفة العصر يشتركون مع ديموسثينيس في ذات الرأي، ولا تثريب. في هذا الحضن ولدت الديموقراطية. بين أيدينا اليوم معارف عظيمة مكنت من مضاعفة قوى الإنتاج بغير حساب، كما تبث وسائل الإعلام رسائل تستهدف بها الملايين. لكن لا تجد الغالبية في المعارف المتاحة ما يثير الاهتمام، فقد سئم الخلق السياسة التقليدية. الأنكى أن الاحصاءات العامة فاقدة للمصداقية بينما تشتد الحوجة إليها بإزاء مخاطر محدقة بمصير الإنسانية أجمع.
عندما انهار الاتحاد السوفييتي كتب فرانسيس فوكوياما عمله المعنون "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، وفوكوياما هذا مواطن أميركي من أصل ياباني ولد وتعلم في الولايات المتحدة حيث حصل على درجة جامعية. قرأ الكثيرون هذا الكتاب إذ وجد دعاية مقدرة من قادة الامبراطورية، أما فوكوياما فقد أصبح صقرا من صقور المحافظين الجدد ومن أشد الداعين إلى فكرة "النظام الواحد". بحسب فوكوياما البقاء من حظ طبقة واحدة: الطبقة الوسطى الأميركية، أما لسواها فالمصير هو الهلاك. وقف فوكوياما مساندا لغزو العراق صفا واحدة مع نائب الرئيس تشيني وعصبته. بالنسبة إليه وصل التاريخ إلى نهايته عند النقطة التي أشار إليها ماركس باعتبارها نهاية ما قبل التاريخ.
في الجلسة الإفتتاحية للقمة المشتركة بين الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا اللاتينية والكاريبي التي انعقدت في مايو الماضي بالبيرو لم تقم محطات التلفزة والإذاعة بترجمة مقاطع أساس من الخطب الملقاة باللغات الانجليزية والألمانية وغيرها من اللغات الأوروبية إلى الاسبانية أوالبرتغالية، كأنما باستطاعة السود والبيض والخلاس من أهل المكسيك والبرازيل والإكوادور والبيرو وسواها من البلدان – أكثر من 330 مليون أغلبهم من الفقراء، كأنما باستطاعتهم الحديث بالانجليزية أو الألمانية أو غيرها من اللغات الغريبة عليهم. أما الاجتماع الأخير في ليما فقد وجد كل الترحيب والقبول. في هذا الاجتماع سمعنا، ضمن أشياء أخرى، أن الأسلحة التي تحصن بها نفسها دولة واقعة تحد تهديد الإمبراطورية، كما ظلت كوبا لسنين طويلة وكما هي فنزويلا اليوم، لا تختلف من ناحية أخلاقية عن تلك الأسلحة التي توجهها القوى الرجعية لاضطهاد الشعوب وحماية مصالح أقلية مسيطرة متحالفة مع ذات الامبراطورية. لا يمكن لوطن أن يصبح سلعة أخرى، كما لا يمكن أن نغامر بحاضر ومستقبل الأجيال الجديدة. لم ترد في الخطب المتلفزة أي إشارة إلى الأسطول الأميركي الرابع باعتباره قوة تدخل شديدة الخطر، بل أكملت دولة لاتينية حاضرة في الاجتماع للتو مناورات مشتركة مع حاملة طائرات أميركية من طراز "نيميتز" محملة بكل أنواع أسلحة الدمار الشامل. قوى القهر في ذات البلد قامت قبل سنين قليلة بتعذيب وقتل الآلاف من المواطنين، وصادرت المقتنيات القليلة لأطفال الضحايا، كما قام قادتها العسكريون بمناصرة الامبراطورية في حروبها القذرة وفق عقيدة في فلاح التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية. لمَ إذن تقع هذه الدولة في ذات الفخ مرة أخرى؟ يفهم القارئ من السياق أي دولة أقصد، لكني سأحجم عن تسميتها مباشرة خوف إهانة هذا البلد الشقيق. إن أوروبا التى حددت وجهة اجتماع ليما هي نفسها أوروبا التي ساندت الحرب على صربيا، وساندت استيلاء الولايات المتحدة على بترول العراق، وكذلك الصراعات الدينية في الشرق الأدنى والأوسط، بالإضافة إلى السجون السرية وحركة الطائرات المستترة وخطط التعذيب والاغتيالات الفظيعة التي رسمها بوش. أوروبا هذه تطبق على ما وراء بحارها ذات القوانين الأميركية، والتي تحد في الواقع حتى من السيادة الأوروبية، فهي تعزز الحصار المفروض على كوبا وتحول بالتالي دون وصول التكنولوجيا وقطع الغيار بل والأدوية إلى بلادنا. ثم إن آلة الدعاية الأوروبية مرتبطة كل الارتباط بوسائل الإعلام التابعة للامبراطورية.
قبل تسع سنوات تحدثت في أول اجتماع أوروبي لاتيني مشترك في ريو دي جانيرو، ولما تفقد كلمتي تلك صحتها، إذ لم يتغير شيء يذكر منذها سوى شروط موضوعية تجعل من أنماط الاستغلال الرأسمالي الفظيعة أقل قابلية للبقاء اليوم. كاد مضيف الاجتماع أن يدفع بالأوروبيين نحو الجنون عندما أشار في الحفل الختامي إلى بعض النقاط التي تقدمت بها كوبا: (1) الغاء الديون الخارجية لبلدان أميركا اللاتينية والكاريبي؛ (2) استثمار 10% من جملة الانفاق العسكري الأوروبي في بلدان العالم الثالث؛ (3) الغاء الدعم المقدم للزراعة الأوروبية، والذي يكبل قدرة منتجاتنا الزراعية على المنافسة؛ (4) تخصيص نسبة 0,7% من الناتج القومي الإجمالي الأوروبي لدول أميركا اللاتينية والكاريبي بحسب اتفاق سابق.
بمراقبة أوجه القادة الأوروبيين والنظرات المتبادلة بينهم يمكنني القول إنهم عضّوا شفاههم لثوان، لكن، لمَ الانزعاج؟ فقد تيسر القاء الخطب العاطفية ونثر الوعود الجوفاء في اجتماع إسبانيا بما لا يقاس. ثم كانت المأدبة العظيمة، حيث غابت أي علامة لأزمة الغذاء العالمية، فلم تنقصها البروتينات ولا المشروبات الروحية. الوحيد الغائب كان جورج بوش، الذي كان يعمل دون كلل في سبيل سلام الشرق الأوسط، كما هي عادته، والعذر عنده، فليحيا السوق!!
كان الروح الغالب لدى ممثلي أوروبا الأغنياء هو الشعور بالتفوق العنصري والسياسي، جميعم أصحاب عقلية برجوازية رأسمالية واستهلاكية، يتحدثون باسمها ويدعون إليها، بل رافق أكثرهم رجال أعمال يشكلون الأساس والدعامة لنظم أوروبا الديموقراطية، تلك التي تؤمن الحريات وحقوق الانسان. إذا كان للمرء أن يفهمهم فلا بد أن يكون خبيرا في عالم السحاب!
في حاضرنا هذا تتنافس أوروبا والولايات المتحدة في سبيل الحصول على البترول والمواد الخام الأساس والأسواق. هذا التنافس المحموم يأخذ لبوس الحرب على الإرهاب والجريمة المنظمة، أي النشاطات التي حفزها التوسع الاستهلاكي النهم لمجتعاتهم ذاتها: باختصار، غولان في هيئة جدتين طيبتين وبينهما "فاطمة السمحة"!!
فيديل كاسترو روز
18/05/08

 تعليق على الموضوع
عنوان التعليق    
كاتب التعليق    
العنوان الإلكتروني    
   
نص التعليق
إضافة تعليق 
 

 التعليقات
 
1
 

 صور متعلقة
لا توجد صور مرفقة
 

 اقرأ أيضا في: توثيق
-