صحيفة الأحداث السودانية يومية سياسية شاملة مستقلة تصدر عن شركة نسق العالمية  
     
 

 
التسجيل  |   الدخول    
   





الخميس ٢١ اغسطس ٢٠٠٨
- العدد الحالي: 306
- الأعداد السابقة:
Google Custom Search

العدد 306 - الخميس ٢١ اغسطس ٢٠٠٨

عودة الأدب الانجليزي أم “الابن الضال”
منى عبد الفتاح

لن أنس ذلك اليوم الذي وزعت لنا فيه المعلمة في حصة الأدب الانجليزي كتابا “جزيرة الكنز” و”جين إير”، وقد كانت “سهام سر الختم” المعلمة المحبوبة من كل طال
 
بات المرحلة المتوسطة، هي من ألقت مرساة ولعي باللغة ورعت ذلك الحب بتحفيزي وإهدائي كتباً أخرى غير المقررة. وقد كانت مدرستنا تعج بروائع كتب الأدب الانجليزي المقررة للمرحلة المتوسطة من سنوات طويلة سبقت. قصص تحكي عن رحلات الألم والمغامرة، وصناعة العقل من ألميهما، انطبعت في رأسي أحداث تلك القصص، ومن بعدها قصص المرحلة الثانوية فساهمت في صقل موهبتي وصارت مداد خيالي وقلمي كما ساهمت في اعوجاج خفيف للساني يزهو الأهل به عند سماعه رغم كثير من الأخطاء اللغوية والتي لم ندركها إلا كباراً.







هذه الأيام يبحث الخبراء التربويون عودة “الأدب الانجليزي”، بما يشبه “عودة الابن الضال” بعد نسبة النجاح المتدنية في اللغة الانجليزية لمرحلة الأساس 29%، وهي عودة إلى صواب أساسيات التعليم وإن تأخرت عقدين من الزمان، عودة إلى الطريق الصحيح بعد كل هذه السنوات من موات زمن التعليم الراقي أمام سرعة القرارات الوقتية المزاجية التي ربطت الطلاب حولها فحرفتهم عن مسارهم وأبقتهم يدورون في فلك تعليم هش. إن أهمية الأدب الإنجليزي في تعليم اللغة وترسيخها في ذهن الطالب لا تحتاج إلى خبراء يقرّون بأهميتها فهي حقيقة علمية يعرفها القاصي والداني ولا تحتاج إلى درس عصر، كما إنها لم تكن تحتاج لكل هذا الوقت ولانهيار المستوى التعليمي لطلاب السنوات الفائتة منذ إلغاء المادة من مقررات التعليم ليثبت بعدها أنه كان قراراً خاطئاً وكأنه قدر الطلاب الشقي فكلّ محنة تعليمية تمر بنّا لا بد أن يتحملوا وزرها، وكأنه داء لا فكاك منه أن يستمر التجريب بالعملية التعليمية وتخضع لقرارات الإلغاء ثم الإعادة دون مباحثة لنتائج هذه القرارات.
شعر كل من تعلم قبلنا بعافية تعليمه تلك الأيام، كما نشعر نحن الآن مقارنة بتعليم هذه الأيام. وكنتيجة عملية لم يكن التحصيل الدراسي والنجاح هو النتيجة الجيدة الوحيدة بل غرست فينا طريقة التعليم تلك حب القراءة بشكل عام، كيف كنا نستعير الكتب ونتعلق بها وبأبطالها فلها يرجع فضل ارتشافنا توق المعرفة وبريقها، ومنها اكتسب العقل سر تخلّقها الأول في عقول تشرئب نحو المستقبل وهو ما لم تكن لدينا المقدرة للتنبؤ بكيف سيكون، حتى جاء زمان أُلغت فيه المادة وتبخّرت مكتبات المدارس، وأصبحنا نمر على ذات الكتب موضوعة على رفوف مكتبات أخرى للبيع وقد تغير شكلها، مترجمة بطريقة صفحة انجليزي والمقابلة لها عربي، مما أفقدها متعة التسلسل وجعل الملل يتسلّل من بين صفحاتها الهجين سريعاً، أما جذوتها فلم تمت في عقولنا وتلت تلك السنوات أخرى عجاف كنت أمر لأرى فيها هذه الكتب مفروشة على الأرض المحيطة بالجامع الكبير، بضاعة بخسة، لا يعرف بائعها قيمتها المعرفية وتلك الجذوة التي أوقدتها في عقولنا، وكل همه ذلك المسكين الذي جفّف الزمن اللعين مصادر رزقه إلا من هذه الكتب، أن ينتظر إلى غروب الشمس علّه يجد من يترحّم عليه ببضع جنيهات تناسب قيمة بضاعته.
إن شأن التعليم في بلادنا ذو شجون فالحديث عنه لا يخص النخبة والصفوة والخبراء التربويون وحدهم، بل هو شأن العامة، كل من لديه أبناء أو إخوة يهمه تنمية عقولهم ووجدانهم بعلم ينتفعون منه وينفعون وطنهم. وما حدث قبل عقدين من الزمان من قرارات فوقية استكثرت حتى مبدأ الشورى مع أولي أمر الطلاب ومجالس الآباء والأمهات، وهو مبدأ يُعد من أهم الأولويات في قرارات تخص المناهج التي تشكل عقول أبنائهم، تحتاج إلى مخاطبتهم بلغة عملية بسيطة ولا تحتاج إلى فذلكة تستدرجهم لمسوغات قد تتصل بسوء الفهم الناتج عن قرارات وسياسات تعليمية تدخلهم في شرك أداء واجب الطاعة لقرارات وقتية يدفع ثمنها أجيال وأجيال.

 تعليق على الموضوع
عنوان التعليق    
كاتب التعليق    
العنوان الإلكتروني    
   
نص التعليق
إضافة تعليق 
 

 التعليقات
 
1
 

 صور متعلقة
لا توجد صور مرفقة
 

 اقرأ أيضا في: الرأي