صحيفة الأحداث السودانية يومية سياسية شاملة مستقلة تصدر عن شركة نسق العالمية  
     
 

 
التسجيل  |   الدخول    
   





الخميس ٢١ اغسطس ٢٠٠٨
- العدد الحالي: 306
- الأعداد السابقة:
Google Custom Search

العدد 306 - الخميس ٢١ اغسطس ٢٠٠٨

علاقة ادونيس بمحمد بن عبد الوهاب؟! (1-2)
محمد وقيع الله

صبأ الشاعر السوري الشهير أدونيس عن الإسلام، وتخلى عن اسمه الذي منحه إياه أبواه (علي أحمد سعيد)، لينتحل اسما اختاره له أستاذه، أنطون سعادة ، زعيم الحزب
 
القومي الإجتماعي السوري، وهوهذا الإسم الذي غدا يعرف به، وهو في الأصل إسم لأحد آلهة اليونان.


وقد ذكر بعض من تتبعوا سيرة هذا الأديب العربي أنه إنما بدل ديانته الإسلامية، واختار ديانة الطائفة المارونية، لكي ينال الجنسية اللبنانية. ذكر هذا العلامة العراقي الدكتور، كامل مصطفى الشيبي، صاحب كتاب (الصلة بين التصوّف والتشيّع)، وهو باحث شيعي معجب شيئا ما بأدونيس!
ولما لم تعد الجنسية اللبنانية مغرية بعد اصطلاء لبنان بأتون الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي، ولى أدونيس وجهه شطر فرنسا، ليكتسب جنسيتها، فنالها، وأصبح تحت حمايتها، وحماية المجموعة الأوروبية، التي احتفت به أخيرا، ومولت موسما ثقافيا، عقد للترويج لخزعبلاته الأدبية الحداثية!
فما الذي يدعو أديبا بهذه الخلفية العجيبة المختلطة للإهتمام بداعية التوحيد الكبير شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب؟!
هذا ما عجبت له، وسعيت لقراءة الكتاب، الذي أصدره أدونيس (بالاشتراك مع زوجه خالدة سعيد) بعنوان (الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب) وذلك من ضمن سلسلته المسماة (ديوان النهضة)، فهو إذن يعترف بأن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب كان مفكرا وإماما نهضويا كبيرا!! وهذا في الحق عجب عجاب أن يعترف إمام الحداثيين الأشهر أدونيس بتقدمية إمام السلفيين الأكبر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ؟!!
من هومحمد بن عبد الوهاب؟
عاش شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بين عامي (1115 - 1150 هـ) - (1703 - 1791م ) في نجد، وهو باعث الدعوة السلفية، التي تفجرت من كتب الإمام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وهي الدعوة التي قامت على أساس الكتاب والسنة، ومحاربة الشرك والبدعة.
ولم تكن الدعوة (الوهابية) مذهبا جديدا كما يدعي خصومها، وإنما كانت حركة إصلاحية، تجديدية، في إطار المذهب الحنبلي. والأصح أن تسمى الدعوة السلفية، أو دعوة التوحيد، ولكن شاعت عنها هذه التسمية، التي هي من صنع خصومها. ومهما يكن من أمر فهي تسمية لا بأس بها، ولا غبار عليها، ولا حرج في الانتماء إلى قائدها، وهو ولي من أولياء الله الصالحين، أعاد مجد الإسلام، ونصر السنة، وقهر البدعة.
وأما المدعو أدونيس فهو ملحد، وشعوبي كبير، وقد قدمنا فيما سلف طرفا من سيرته، وسنقدم عنه المزيد.
ماذا فعل أدونيس؟!
اختار أدونيس مجموعات من رسائل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ليبرز بها الأثر النهضوي التقدمي الذي خلفه في حياة العرب المعاصرين. فهذا عمل من أعمال التصنيف، لا التأليف، وقصارى ما يمكن أن يقال فيه إن أدونيس أحسن الإختيار، وإنه لم يرم إلى تشويه سيرة شيخ الإسلام، والإساءة إلى مؤلفاته، وتبخيسها، كما يفعل عادة متطرفوالعلمانيون من أعداء السلفيين.
وقد أنشأ أدونيس مقدمة طويلة من نحو اثني عشر صفحة لهذه المجموعة المختارة من الأفكار (الوهابية) بدا فيها وكأنه يشايع القوم ولا يختلف معهم في شيئ، حتى في مسائل العقيدة التي يوليها هؤلاء السلفيون الراشدون الإعتبار الأكبر.
وأقل انطباع يخرج به قارئ هذه المقدمة هو أن أدونيس كان أمينا في تلخيصه لأفكار شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، حيث أنه لم يفتر عليه شيئا، أو يقوله شيئا لم يقله في كتبه المعروفة، وعلى رأسها كتابه ( كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)!.
الفهم الصحيح لفهم لعقائد الوهابية:
وقد اعتنى أدونيس في المقدمة بشرح مفهوم التوحيد كما فهمه من كتابات ابن عبد الوهاب، فيحدثنا قائلا إن:" التوحيد هو الأساس الذي تقوم عليه آراء الإمام محمد بن عبد الوهاب، هو البؤرة التي تنطلق منها، والمدار الذي تتحرك فيه. لذلك لابد، لكي نفهم النظرة الوهابية إلى الإنسان والعالم، من أن نفهم، بادئ ذي بدء، نظرتها إلى التوحيد، ونعرف، بالتالي، ما يقتضيه، في منظورها، أم ما يوجبه.
التوحيد ... هو أن نعلم أن الله يتفرد بصفات الكمال المطلق، وأن نعترف بهذا التفرد، ونُفرده وحده بالعبادة. إنه إذن يتضمن توحيد أسماء الله وصفاته، وتوحيد الربوبية، وتوحيد العبادة: نُثبت ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، بمعانيها وأحكامها، لا ننفي ولا نعطل ولا نحرف شيئا منها. وننفي، تبعا لذلك ما نفاه الله عن نفسه، معتقدين أنه وحده الخالق الرازق المدبر.
هكذا يتم لنا الإيمان بأن التوحيد أصل الأصول، وأساس الأعمال، وبأنه حق الله الواجب على البشر، وبأن المقصود الجوهري من دعوة الرسل كلهم إنما هو الدعوة إلى الله".
وكما يفعل دعاة الوهابية عادة بالتحول إلى وصف الشرك، على أنه نقيض التوحيد، فإن أدونيس يفعل الشيئ نفسه، ويعرف الشرك تماما كما عرفه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فيقول إنه:" نوعان:أكبر وأصغر. الأكبر هو الجلي: هو أن نجعل لله نِدا ندعوه كما ندعو الله، أو نخافه أو نرجوه أو نحبه كأنه هو الله. وحَدُّه هو: (يصرف العبد نوعا من أو فردا من أفراد العبادة لغير الله). والأصغر الخفي هو جميع الأفعال والأقوال التي تغالي في المخلوق. وحَدُّه هو: كل وسيلة أو ذريعة يُتطرق منها إلى الشرك الأكبر، من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة".
وقد أحسن أدونيس التلخيص وأجاد، فهذه هي خلاصة ما يقوله السادة الوهابية في موضوع، وهو قول في غاية الدقة والصواب.






الإنسان وقدره:
وفي مسائل القضاء والقدر التي خاض فيها شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، بقدر محدود، وتجنب الجدل فيها لعدم ضرورته، أو لقلة ما دعا للجدل فيه في بيئته قبل قرنين ونصف من الزمان، قال أدونيس إنه يلخص أفكار شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، في هذا المنحى، عندما يقول إنه:" لا يجوز أن أن نعد سببا إلا الثابت شرعا وقدَرا.
ولا يجوز الاعتماد على السبب، بل على المسبِّب المُقدِّر. ثم لابد من أن نعلم مؤمنين أن الأسباب مرتبطة بقضاء الله وقدره، صغيرة كانت أم كبيرة. إن شاء أبقى سببيتها تجري على مقتضى حكمته، وإن شاء غيرها، لكي يحول دون اعتماد عباده عليها، ولكي يظهر لهم كمال قدرته. فالإرادة المطلقة والتصرف المطلق لله وحده.
وهكذا فإن من يتوسل أية وسيلة ليرفع البلاء النازل عليه، أو ليدفع نزوله،معتقدا أنها هي الرافعة الدافعة، فقد أشرك بالله الشرك الأكبر، لأنه في هذا يقول بشريك مع الله في الخلق والتدبير، ويعتمد هذه الوسيلة، من دون الله، طمعا بنفعها، أو رجاء لها".
وهذا ما يذكرنا بالجدل الذي دار بين القدرية، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، من جانب وبين تقي الدين بن تيمية الحراني الدمشقي (661- 728هـ)، من جانب آخر. وتقي الدين الحراني هو الذي أتى على بنيان هذه الفرق جميعا من القواعد، وجاء بالحق الأبلج، وتبعه في تبني رأيه في هذا الصدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
تقدمية الفكر الوهابي:
وعندما يتحدث أدونيس عن تشدد الوهابية في تحريم الوسائل التي رفضها الشرع، كالتمائم، والسحر، والتنجيم ، للتوصل إلى عالم الغيب أو التحصل على منافع معينة، يشير إلى أنهم إنما كانوا مدفوعين بدوافع عقلانية واعتقادات قاطعة بأن الإعتماد على هذه الوسائل هو من قبيل الانتقاص البين من سلطة العقل البشري، كما أنه أمر قد يدفع إلى تأليه غير الله تعالى.
ويفقهنا أدونيس أكثر في هذا المعنى فيقول:" يزداد معنى التوحيد وما يوجبه، حين نعرف ما سنسميه بـ{التوثين}. والوثن :{ إسم جامع لكل ما عبد من دون الله، لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين}، {فمن دعا غير الله أو عبده، فقد اتخذ وثنا، وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام}.
هل تخلى أدونيس عن إلحاده:
إن هذا التلخيص الجيد لأفكار شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب يوحي وكأن تلاقيا ما قد حدث بين طرفي النقيض والتنافر، أو أن أفكار الوهابية التي أصبحت مصدر هدى للناس في هذا الزمان، ومنذ زمان، قد هدت في من هدت هذا الصابئ القديم أدونيس، القائل في كتابه (الثابت والمتحول) إن:"الله والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظاً رتبتها الأجيال الغابرة وهي قائمة بقوة الاستمرار لا بقوة الحقيقة والتمسك بهذه التقاليد موت ! والمتمسكون بها أموات ! وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور لكي يدفن أولاً هذه التقاليد كمقدمة ضرورية لتحرره" !
ويعجب المرء كيف وضع أدونيس شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب، في عداد النهضويين المجددين، ومن قبل ما كان يحفل إلا بأمثال الرازي وابن الراوندي، ويعدهم في طلائع المجددين، حيث كان يقول عن تقدميتهم:"
" لقد نقد الرازي النبوة والوحي وأبطلهما وكان في ذلك متقدماً جداً على نقد النصوص الدينية في أوروبا في القرن السابع عشر.
إن موقفه العقلي نفي للتدين الإيماني ودعوة إلى إلحاد يقيم الطبيعة والمحسوس مقام الغيب، ويرى في تأملهما ودراستهما الشروط الأول للمعرفة.
وحلول الطبيعة محل الوحي جعل العالم مفتوحاً أمام العقل : فإذا كان للوحي بداية ونهاية فليس للطبيعة بداية ونهاية، إنها إذن خارج الماضي والحاضر : إنها المستقبل أبداً .
... لقد مهد الرازي وابن الراوندي للتحرر من الانغلاقية الدينية ففي مجتمع تأسس على الدين باسم الدين كالمجتمع العربي لابد أن يبدأ النقد فيه بنقد الدين ذاته "
إن هذه العقائد التي ينسبها أدونيس إلى الرازي وابن الراوندي، لا تتفق مع عقائد سلف الأمة الصالح، وللسلف الأماجد عليها تعليقات وتشنيعات وغارات حادة انبعثت ولا تزال تنبعث من خلال سطور الكتاب العظيم (اجتماع الجيوش الإسلامية لغزو المعطلة والجهمية) من تأليف شيخ الإسلام شمس الدين بن قيم الجوزية، فكيف تاح لأدونيس إذن أن يوفق بين هؤلاءالملحدين وهؤلاء السلفيين؟!
هذا ما سنقف عليه بإذن الله تعالى في المقال التالي.

 تعليق على الموضوع
عنوان التعليق    
كاتب التعليق    
العنوان الإلكتروني    
   
نص التعليق
إضافة تعليق 
 

 التعليقات
 
1
 

 صور متعلقة
لا توجد صور مرفقة
 

 اقرأ أيضا في: الرأي