صحيفة الأحداث السودانية يومية سياسية شاملة مستقلة تصدر عن شركة نسق العالمية  
     
 

 
التسجيل  |   الدخول    
   





الخميس ٢١ اغسطس ٢٠٠٨
- العدد الحالي: 306
- الأعداد السابقة:
Google Custom Search

العدد 306 - الخميس ٢١ اغسطس ٢٠٠٨

الـــفــــقــــــــــــــــــــــــــر والــســــــــــــــــــــــيــــاســــــــــــة
لبــــــابـة جفـــــــــون

ملح السياسة
(جبرة الحريف) هكذا يناديه أصحابه ومعارفه في الحي, فالشاب الأربعيني يعمل (سمسار رُسين) أو هكذا اعتاد أن يطلق على مهنته التي بر
 
ع فيها طوال أعوام، وهي حشد جماهير حيه الطرفي لأى مسيرة أو تظاهرة أو (هيلمانة) سياسية، ولايهمه كثيرا لصالح أي حزب تقام المناسبة المدعو لها هو والكمبارس الذي معه ولا لأي ( الشريكين) يتبع (الاحتفال الجماهيري) الذي يشارك فيه، المهم عنده هو من يدفع له مقابل أن يأتي بالعشرات من البسطاء والمعدمين الذين يتولى (المقاولة) عنهم للمشاركة في الحشد بالحافلة واللوري ويقتسم معهم ماتجود به جيوب منظمي التظاهرة السياسية (تلتين لي تلت)، ووظيفة صاحبنا جبرة هي إحدى عشرات الوظائف التي اختلقتها ظروف وتفاصيل العلاقة الشائكة بين الفقر والسياسة حيث تحول الفقراء من ملح الأرض الى (كرت سياسي) بأيدي الساسة "محترفوها وادعياؤها" يلجأون اليه متى ما دعت (ضرورة المرحلة)، ويسكتون عنه مادامت المكاسب التي يسعون اليها بين أيديهم، بينما رأى آخرون أن (الفقر) أصبح (قميص عثمان) الذي يلوّح به من أراد من السياسيين ويوظفه للغرض الذي يريده وكل يدعي انه الأوْلى بالبحث له عن حلول وما بين (الهامش والمركز). تتكاثف تفاصيل تلك العلاقة بطرفيها الفقراء من جهة والساسة من جهة أخرى وهما لايلتقيان غالبا إلا على (شيء من حتى).
الفقر والتهميش
قضية الفقر طفت على السطح في السنوات الاخيرة في الخطاب السياسي بصورة لم تحدث من قبل وأصبح السودان يغلي من أطرافه جميعها بمفردة (التهميش) التي دخلت قاموس السياسة اليومية من أوسع الأبواب ضمن أدبيات مابعد نيفاشا وأصبحت واحدة من أكثر الكلمات تداولا، ولايفصل بينها وبين مفردة الفقر المتداولة سابقا بحسب كثير من المراقبين فاصل، حيث دخل في عداد مفردة التهميش جميع من يرى نفسه خارج حظوظ التنمية والسلطة السياسية، واتسعت جبهة المهمشين وأضحت حاضرة في مخاطبات السياسيين وتصريحاتهم، كلهم ينادي بحقوق المهمشين ليصل سقف التداعيات الى ماتداولته الاخبار والتحليلات السياسية بعدد من صحف الخرطوم الاسبوعين الماضيين حول قيام مؤتمر للمهمشين احتضنته مدينة كمبالا برعاية وتنظيم الحركة الشعبية وعضوية ومشاركة جميع الحركات المسلحة وغير المسلحة من جهات السودان الاربعة قبل أن ينفي النائب الاول للرئيس سلفاكير ميارديت صلة الحركة الشعبية بذلك المؤتمر في حواره مع صحيفة الرأي العام عدد الأمس.
وكان خطاب نائب الرئيس علي عثمان محمد طه في ختام المؤتمر الثاني للمؤتمر الوطني الشهر الماضي قد أشار الى الواقع الذي أفرزه الفقر وغياب التنمية في أجزاء واسعة من السودان، حيث نادى نائب الرئيس
الى اعمال البرامج الاجتماعية والعناية بالشرائح الضعيفة في المجتمع لاستئصال ما أسماه بالحقد الطبقي باعتباره أحد أسباب تفكك المجتمعات، وهو مايجلي بوضوح اعتراف الجانب الرسمي في أعلى مستوياته باتساع رقعة الاثار المترتبة على الفقر من تباين في المجتمع، وانعكاساتها على بؤر الصراعات التي تتغذى على الغبن الاجتماعي الذي أفرزه الفقر في بعض المواقع.
أسباب ومعالجات
إلا أن الكاتب الصحافي والمحلل السياسي محمد لطيف أوضح للأحداث انه يجب الفصل بين الفقر والتهميش قائلا بأن كل الفقراء قد يكونوا مهمشين لكن ليس بالضرورة كل مهمش هو فقير، ضاربا المثل بأن أحد أشهر المراكز التجارية في الخرطوم (سوق ليبيا) معظم العاملين فيه يصنفون ضمن المهمشين, ويضيف لطيف بأن السياسة أصلا نشأت لخدمة الشعب، وأهم جوانب تلك الخدمة هي مساعدته في الجوانب الاقتصادية والصحية والتعليمية وغيرها، وهو ما اصطلح على تسميته مؤخرا بمشروع محاربة الفقر.
. ويرى غير قليل من الخبراء أن غياب أو ضعف التنمية في معظم مناطق السودان هو العامل الاساسي في تغلغل واقع الفقر، والذي لايمكن من دون معالجة أسبابه حل مشاكل السودان السياسية الحالية. وأوضح الخبير الاقتصادي المعروف محمد إبراهيم كبج
للأحداث أن قضية الفقر في السودان لا يمكن حلها الا بتقليل مستوى الفوارق التنموية بين أنحاء السودان المختلفة، وإحداث توازن باتباع سياسات منحازة للفقراء. ويرى كبج أن الغبن التنموي نتج بسبب وجود مستوى معقول من التنمية حول شريط النيل وروافده مع غياب ذلك في المناطق الاخرى من السودان، مما أدى الى قيام حالة الحرب والصراعات في أجزائه المختلفة، وهو مايستدعي أن يتم التوجه فورا الى حيث الفقراء وتنمية مناطقهم تنمية متقاربة. ويؤكد الخبير الاقتصادي كبج أن الزراعة هي المفتاح لقضية الفقر في السودان. والمناطق التي نشأت فيها نزاعات مسلحة يمكن أن تتم تنميتها لتحقيق اكتفاء ذاتي في تلك المناطق، وخلق فوائض انتاج تستخدم في التصنيع. ويقدم الخبير الاقتصادي كبج مقارنة تعكس الواقع الزراعى في القطاعين المروي والمطري مدللا على الفوارق التنموية قائلا: في العام 2005 تمت زراعة 20 مليون فدان في القطاع المطري التقليدي كانت نسبة انتاجها تساوي أقل من 6% من اجمالي الناتج المحلي، وفي القطاع المطري الآلي تمت زراعة 15 مليون فدان كان ناتجها أقل من 2% من الناتج الاجمالي المحلي مقارنة بالقطاع المروي الذي تمت فيه زراعة أقل من 2 مليون فدان بلغ ناتجها مانسبته 11% من اجمالي الناتج المحلي، وهذه الصورة تعكس بوضوح بحسب الخبير الاقتصادي كبج الاختلال في التوازن التنموي لأن الـ2مليون فدان اعطتنا ناتج 35 مليون فدان، ويضيف كبج بأن مناطق الانتاج المتدنية تلك يوجد فيها مامجموعه 65% من سكان السودان، والتي تحوي كل مناطق النزاعات المسلحة التي تحوي الاغلبية الساحقة من الفقراء والمسحوقين من سكان السودان .
فقر فكري
ومن وجهة نظر اخرى تنطلق رؤية بأن واقع الفقر المادي في السودان هو نتيجة طبيعية للفقر الفكري الذي تعاني منه ادارات العمل الاقتصادي في دولاب الدولة، وهى وجهة نظر نائب رئيس المجلس التشريعي والقيادي بالحركة الشعبية اتيم قرنق الذي صرح للأحداث بأن مشكلة السودان الحقيقية ليست في الفقر المادي ولكن في الفقر الفكري على حد قوله. وأشار الى نموذج مشروع الجزيرة الذي فشل بعد أن كان مشروعا عملاقا لأن الفكر الفقير قد دخل عليه على حد توصيفه، وأضاف اتيم قرنق بأن معظم الذين يأتون بانقلابات عسكرية في السودان يأتون من أسر بسيطة ويأتون باعتقاد أنهم سيصلحون اقتصاد البلد وبعضهم يستفيد من وضعه السياسي لاصلاح حال أهله فينتج عن ذلك فساد اداري وفساد مالي، ويمضي اتيم قائلا: في اعتقادي ان الفقر الفكري هو السبب في اننا لانستطيع اختراق الامور الصعبة في مشاكلنا وقضايانا. وبحسب اتيم فإن قضية الفقر ستكون حاضرة في الانتخابات القادمة وبقوة، وسيكون الفقر ضمن مشاكل السودان التي لن تحل مالم تحدث تنمية متوازنة في كل مناطق السودان على حد سواء لأن جميع المناطق أصبحت تعاني من ضعف التنمية والصراعات. ويمضي مراقبون الى القول بأن الفقراء قد تزايدت أعدادهم بسبب طموحات الساسة أنفسهم حيث تزايدت اعداد الفقراء في مناطق النزاعات نتيجة للمعارك والقتال حيث استحال الاستقرار للزراع والرعاة وبالتالي فقد معظمهم مقدرته على الانتاج وتوفير دخل ثابت ومستقر. وترى وجهات نظر اخرى أن الفقر نفسه أضحى مدخلا للولوج الى العمل السياسي وذلك حسب وجهة نظر الكاتب الصحافي عبد اللطيف البوني الذي رأى أن قضية الفقر التي كانت حاضرة بقوة في الخطاب السياسي خاصة اثناء الضجة التي صاحبت صدور التقرير الاستراتيجي الذي كشف ان نسبة الفقر في السودان تصل الى 90% ويمضي البوني الى القول بأن مفردات اخرى قد دخلت بدلا عن كلمة الفقر في الخطاب السياسي, وأصبح الناس بحسب حديثه يتكلمون عن قسمة السلطة بدلا عن اقتسام الثروة وكأن الجميع قد سلم بالسلطة كمدخل لمعالجة الفقر وهو ماعده البوني انحرافا عن القضية الاساسية (قضية الفقر)، وهو مؤشر قلق بالنسبة اليه ويمضي البوني قائلا: من المؤسف أن السلطة أصبحت في العالم الثالث مدخلا للغنى الفردي والجهوي وأصبحت الغلبة على حد قوله بالقدرة (على الخمش) أوكما قال. ويرى البوني أن تغييب الفقر لصالح الاهتمام والاتجاه الى السلطة قد اخل بالتوازن في الخطاب السياسي وان تنبيه نائب الرئيس علي عثمان في خطابه بضرورة معالجة أسباب الفقر والآثار المترتبة عليه هو إعادة للقضية الى مكانها الصحيح.
متاجرة واستثمار
ومن زاوية البعد بين النظرية والتطبيق في تناول قضية الفقر في الخطاب السياسي يرى المحلل السياسي محمد لطيف أن مصداقية الساسة وجديتهم في التعاطي مع قضية الفقر في معظم دول العالم الثالث لاتختلف رغما عن اختلاف الانظمة السياسية (شمولية أو ديموقراطية) والواقع المعاش لايترجم حقيقة مايطرح في الخطاب السياسي عن معالجة الفقر، الى إعمال لذلك يظل الحديث عن الفقر من قبل السياسيين (متاجرة) في كثير من الأحيان بحسب لطيف، أو(استثمار) على حد تعبيره إن أردنا تلطيف الكلمة. ويظل دائما هناك بطانة على مر التاريخ لها القدرة على استغلال الاوضاع والظروف لخدمة مصالحها وترتيب أوضاعها على حد قوله.
وبعيدا عن الفقر قريبا من السياسة فإن قضية الفقر التي تفاقمت بمرور السنوات تزداد تعقيدا في معظم المناطق بسبب وجود النزاعات من جهة والتي تمنع قيام مشاريع تنموية في مناطق الصراع لتصبح عائقا حقيقيا ينتظر المعالجة ومن ناحية أخرى فإن عدم الاتفاق على رؤية اقتصادية تنموية موحدة لجميع أجزاء السودان يجعل من الصعب التكهن بمصير المشروعات المطروحة حاليا لمعالجة أوضاع الفقراء إذ تتفق عدة تقارير رسمية وغير رسمية في أن نسبة الفقر بين السكان تتراوح بين الـ90% و95% بينما تصل معدلات البطالة في أحسن التقديرات الرسمية الى 28%، وتؤكد تقديرات خبراء اقتصاديين بأنها في أحسن الفروض تزيد نسبتها الحقيقية عن الـ40% وتكشف تلك النسب خطورة الوضع إن استمر الحال على ذات الوضع الذي عليه الآن مما يشي بأن ملف قضية الفقر سيكون حاضرا ضمن الملفات الرئيسية التي يستحيل تجاوزها دون إيجاد حلول واضحة ومباشرة لها وبحسب الخبير الاقتصادي محمد ابراهيم كبج فإنه لامخرج من أزمة الفقر إلا إذا تمكنا من جعل الفقراء ينتجون غذاءهم بأنفسهم لتفادي أزمة الغذاء التي أصبحت تعاني منها دول عديدة في العالم. ولتمكين السودان من أن يصبح سلة غذاء العالم. ورغما عن وضوح الرؤية لدى معظم النخب السودانية في كيفية امكانية معالجة واقع الفقر، إلا أن تطبيق تلك الحلول يظل في انتظار الارادة السياسية التي تحيل تلك الحلول المفترضة الى واقع يمكن أن يتجاوز تفاصيل قصة الفقر والسياسة التي تطاولت فصولها..

 تعليق على الموضوع
عنوان التعليق    
كاتب التعليق    
العنوان الإلكتروني    
   
نص التعليق
إضافة تعليق 
 

 التعليقات
 
1
 

 صور متعلقة
لا توجد صور مرفقة
 

 اقرأ أيضا في: تقارير