صحيفة الأحداث السودانية يومية سياسية شاملة مستقلة تصدر عن شركة نسق العالمية  
     
 

 
التسجيل  |   الدخول    
   





الخميس 16 مايو 2008
- العدد الحالي: 211
- الأعداد السابقة:
Google Custom Search

العدد 211 - الخميس 16 مايو 2008

الرق والإبادة وتسييس الغضب.. فهم الأولمبياد العرقي الجديد (1)
هشام عائدي – معهد الشرق الأوسط، جامعة كولومبيا ترجمة محمد الصائم

هشام عائدي هو محاضر بجامعة كولومبيا حيث يزامل البروفسور محمود مامداني الذي زار السودان مؤخراً. وهو كذلك يعمل باحثاً في معهد الشرق الأوسط بنفس الجامعة.
 
ومؤخراً جداً قام بروفسور مامداني بزيارة السودان بدعوة من مركز طيبة برس. والمقالة تتطرق لدور (الصقر الأسود) جو ماديسون الذي يزور السودان هذه الأيام ليبيع مايسميه عدة للفقراء. والمقالة تجئ في وقتها تماماً مع ملتقى العلاقات الأوروبية السودانية الذي ينظمه مركز الخدمات الاعلامية السوداني. والمقالة تكتسب أهمية أكبر مع توقيت إعلان عبد الواحد محمد نور فتح مكتب لحركته في إسرائيل. المقالة التالية كتبت عام 2005 وأعيد نشرها عام 2007. وقد ارتأينا ترجمتها لأنها تمثل قراءة متأنية للداخل الأمريكي وكيف يرتبط ذلك بالخارج السوداني/الأفريقي. في أكتوبر 1999 بثت الخدمة الإذاعية العمومية (التلفزيون الأمريكي المدعوم من الحكومة) "عجائب العالم الأفريقي"، وهو فيلم وثائقي من ستة أجزاء قام بانتاجه المفكر الأفريقي الأمريكي المشهور هنري لويس غيتس.
وفي ذاك الفيلم يسافر محاضر هارفارد من مصر للسودان ويصل حتى الساحل السواحيلي في شرق أفريقيا، ومن هناك الى مناطق في غرب أفريقيا، فاحصاً المواجهة بين أفريقيا والحضارة العربية، والدور الذي لعبه كل من الأفارقة والعرب في استرقاق الأفارقة. وفي مصر يعكس غيتس "ملامح الوجوه" كما تصورها التماثيل والنصب في أسوان مسجلاً "سواد" الفراعنة، ومتسائلاً ان كان انشاء السد العالي الذي دمر أراضي النوبة التاريخية يمثل عنصرية عربية. وفي مدن كينيا الساحلية مثل لامو ومومباسا، وفي جزيرة زنزبار، يتحدث غيتس إلى نفر من المحليين الذين - ولخيبة أمله - يعرفون أنفسهم بأنهم من أصل "عربي" أو "فارسي". "بالنسبة لي، فإن الناس هنا يشبهون الفرس كما يشبه مايك تايسون الفرس"، هكذا يعلق غيتس. "لقد تطلب الأمر من أهلي خمسين عاما ليتحركوا من الزنوج إلى السود إلى الأفارقة الأمريكان. وإني لأتعجب كم من الزمن يحتاج السواحليون ليسموا أنفسهم أفارقة". لقد كان "عجائب العالم الأفريقي" موجهاً بأفكار أمريكية غرائبية حول العرق والسواد، ومن أبسطها قاعدة "قطرة دم واحدة تكفي" والتي تعني أن أي شخص يحكم بامتلاكه قطرة دم واحدة من أصل أسود، فإنه يعتبر كامل السواد، ويخضع لنظام قانوني في المذهبية العرقية يسمى "جيم كرو" (وهو حاكم ألباما الذي صرح عن العزل العنصري – اليوم عزل وغدا عزل وعزل إلى الأبد. المترجم). وعندما سأل واحد من النقاد غيتس عن أسباب اعتباره قدماء المصريين أكثر أصالة أفريقية من المصريين المعاصرين، كانت إجابته "لو ظهر واحد من قدماء المصريين في الميسيسبي عام 1950 لتم إرساله لمؤخرة البص. وهذا منتهى السواد بالنسبة لي"
(1).
بتأكيده على دور العرب والأفارقة في تجارة الرقيق فإن غيتس يورط نفسه في ممارسة أمريكية معتادة بتوزيع "الخطيئة العرقية"، وهو في هذه الحالة يؤطر ل"لوم" العرب والأفارقة في مسألة الرق. وكما علق أحد الافارقة ممن استعرض أعماله "بعض منا يتخوف من أن مجهودات (غيتس) نحو اصلاح أعطاب العلاقات بين البيض الأمريكان والسود الأمريكان قد تؤدي لبذر بذور الشقاق بين الأفارقة الأمريكان وشعوب القارة الأفريقية"
(2).
والقوميون السود ليسو هم المجموعة الوحيدة في الولايات المتحدة الذين يزعمون - ولأغراضهم الخاصة - أن ثقافات بعينها، ومساحات، وتواريخ من العالم العربي هي ملكهم. لقد أشبع قوميو المسيحيين واليهود "الشرق" بمغزى انعتاق ديني. ولكن اذا كانت ارتباطات المسيحيين واليهود مع الشرق الاوسط متعصبة للصهيونية ولصالح إسرائيل، فإن تصورات الأفارقة الأمريكان تجاه شمال أفريقيا والشرق الأوسط ظلت مترددة تجاه الصهيونية، وأكثر ارتباطا بالحركات القومية الأخرى. ويتحدث مالكولم أكس، وهو من أوائل من حاولوا المصالحة بين القوميات العربية والأفريقية، يتحدث عن لقاء مع دبلوماسي جزائري في غانا شكل نقطة تحول لديه: "كنت أتحدث مع السفير الجزائري، وهو مقاتل متطرف، وثوري بمعنى الكلمة.... عندما أخبرته أن فلسفتي السياسية والاجتماعية والاقتصادية هي القومية السوداء، سألني بصراحة عن أين يكون موقعه من كل هذا؟ لقد كان أبيض.. هو جزائري، وبكل المظاهر هو رجل أبيض. وقال لي اذا كنت أنا أحدد هدفي بانتصار القومية السوداء، ماذا يبقي ذلك له؟" (3)إن وجود العرب في القارة الأفريقية – سواء أكانوا بيضا مثل السفير الجزائري، أو خصوصا أولئك الذين يبدون سودا لكنهم يرفضون ماركة "أفريقي" – قد أثار ردود أفعال آيديولوجية عديدة، من مالكولم صاحب الدعوة الأفريقانية المتصالحة مع العرب، الى دعوات المركزية الأفريقانية المتعصبة ضد العرب وضد الاسلام. في بداية السبعينيات ظهرت مدرسة للقومية السوداء ممعنة في عدم الثقة بالعالم العربي. ومع هجمات 11 سبتمبر 2001، تسيست هذه المدرسة بصورة صاخبة وارتبطت المدرسة أكثر فأكثر في نضال مشترك مع حركات متباينة مثل المسيحية الانجليكانية، والصهيونية والمحافظون الجدد، رغم أنها كانت تاريخيا في خلاف مع كل هؤلاء. إن بعث هذا الخيط من القومية السوداء، والتي ترى أن العرب "ليسو أهلنا"، وهم "مذنبون" في نشر دمار أفريقيا بنفس درجة الغرب الأبيض، هو نتيجة احتكاكات امتدت لقرون بين مسلمي ونصارى الأفارقة الأمريكان، ونتيجة علاقات متوترة بين الأفارقة الأمريكان والعرب الأمريكان في المناطق الحضرية، ورد فعل للتصادم بين القوميات الأفريقانية والعربية على تخوم الدول الافريقية العربية، وخصوصا في السودان. وبصورة أكبر، انه بعث يأتي استجابة للمهمة الحضارية (أو المشروع الحضاري - المترجم) للقومية العربية وجها لوجه مع الأفارقة غير العرب، شعوبا وحضارات، في شمال أفريقيا وعلى تخوم الأراضي الافريقية العربية.هذه القومية السوداء وجدت منفذا للتعبير في المبادرة الجديدة التي بتعويضات من جامعة الدول العربية تكفيرا عن "الاسترقاق الأفروعربي" وفي حملة تأديب السودان بسبب مأساة دارفور. كلا المجهودين تغذيه النظرة التي ترى أن الناطقين بالعربية من شماليي أفريقيا – بكل سحناتهم - ماهم الا "عرق وافد" على التراب الأفريقي. ومنذ 11 سبتمبر كسبت هذه الرؤية شعبية خارج دوائر القوميين السود، مما أدى لاعادة التقارب - حول السودان - بين الأخيرين وخصومهم في المجموعات الصهيونية شبيه بذلك التصالح بين اليهود والأنجيليين حول إسرائيل. هذه التطورات يحسن تفسيرها بملمح ثابت من اللعبة السياسية الأمريكية وهو المخارجة بكبش فداء عرقي.يدفع المؤرخون بأن المخارجة بكبش فداء عرقي كان سببا أساسيا في تدعيم فكرة الأمة/الدولة، اذ غالبا ما تفض النزاعات بين البيض بالتواضع على تحيز مشترك ضد السود (4). وتدفع عدة تقاريرتعنى بتقييم تأثيرات هجمات 11 سبتمبر على اللعبة السياسية الأمريكية بأن هذه الهجمات قد أعادت تنظيم التقسيمات العرقية. وعند إجراء مسح لقياس السلوكيات نحو مجموعات عرقية شتى، وجد أن المشاركين، لوهلة، قد أعطوا "تقييمات أكثر ايجابية" لكل تلك المجموعات ماعدا للعرب الأمريكان والمسلمين الأمريكان الذين حصلوا على تقديرات أقل ايجابية بسبب ربطهم بهجمات مركز التجارة الدولي (5). ولا ينبغي أن تشكل هذه الأرقام أي مفاجأة. فالقومية، بعد أي شئ، قد جاء تعريفها بأنها هي "الرغبة في كبت التقسيمات الداخلية داخل الأمة ووصف الآخرين خارج المجموعة بأنهم غير جديرين بالثقة ليكونوا حلفاء وبأنهم أشرار بلا رحمة لكونهم الأعداء"
(6).
قد قذفت هجمات 11 سبتمبر و"الحرب على الإرهاب" باللعبة السياسية الأمريكية إلى الاضطراب، منتجة عدوا جديدا وحلفاء جددا، لترسل مجموعات مختلفة مهرولة لموقع أفضل في التراتب الإثني المزدحم. وكما في السنوات الأولى للحرب الباردة، فإن الفترة التالية ل11 سبتمبر تشكل مفترقا حرجا تتلاشى فيه الاصطفافات السياسية السابقة، وتتعبأ فيه الجماعات السياسية والإثنية لمناهضة السياسات والأفكار الحاكمة، فيما يتكتل الأخرون لحصاد المكاسب السياسية عبر دعمهم المخلص لمجهودات احتواء الخطر الاسلامي. تأسر حملة "انقذوا دارفور" المناخ العرقي من عدة طرق، إذ تم استبعاد عدة تقسيمات عرقية وسياسية مختلفة، وتم ارسال التظلمات "للخارج" – الشرق الأوسط. وكما في الحرب الباردة، فإن "العرق" يبرز بوصفه عصا سياسية في الحرب الكلامية بين الولايات المتحدة والعالم العربي، كما يستخدم عدة ممثلين اتهامات العنصرية لتعرية المعايير المزدوجة المدعاة على الطرف الأخر.
وقد ساهمت المخاوف أيضا - حول كيف أن الهجرة الضخمة من أمريكا اللاتينية يمكن أن تبلقن الولايات المتحدة في زمن الحرب – في صياغة المشهد العرقي لما بعد 11 سبتمبر. وتحركت ناحية اليمين جماعات قلقة من أن تفقد مقاعدها للأسفل بسبب "التوالي العرقي" الناتج من الهجرة اللاتينية، وصارت أكثر تشددا نحو السياسة الخارجية وأكثر تأييدا لضبط صارم للحدود. وبدورهم فإن اللاتينيين، وفي حماسهم لإثبات وطنيتهم، يتشبهون بسلوكيات المحافظين حول الشرق الأوسط ويرفعون أصواتهم بنغمات من أقدم القرون حول الغزاة المورسكيين والاستبداد الشرقي. هذه التيارات تشير لحدوث تحول في التراتبية العرقية الأمريكية. لو صح تاريخيا - كما تدفع توني موريسون – أن اندماج المهاجرين قد تحقق وتم الحفاظ على أمريكا موحدة فقط بعد "التعلم من الفصل العرقي للسود" (7)، فإنه يبدو كما لو أن ذلك الاندماج والوحدة قد تحققا بعد التعلم من الفصل والإقصاء الآيديولوجي للعربي/المسلم.
تيارات متقلبة
يرى كورنيل ويست أن معظم القادة النافذين من الأفارقة الأمريكان في القرن الماضي - مثل ماركوس غارفي، ودبليو دو بويس (دوبوا)، وبول روبيسون، ورالف بونشيه، ومارتن لوثركنج - كانوا صهاينة ملتزمين في البدء، لكن "عند منتصف الستينيات، وخصوصا بعد 1967 وبداية الاحتلال بدأ مزاج مجتمع منتقدا للصهيونية السود ببطء، لكن بصورة مؤثرة" (8). وكان التشبيه الانجيلي لخروج اليهود المضطهدين بعد تحريرهم من الفرعون وعودتهم لأرض إسرائيل قد شنف آذان الأفارقة الأمريكان طويلا. وفي بدايات القرن العشرين كان كثير من قادة الأفارقة الأمريكان يرى الصهيونية نموذجا يحتذى لافريقيي الشتات ولتحررهم الحتمي ومن ثم رجوعهم إلى أفريقيا. لكن الجزر ضد الصهيونية قد بدا باكرا قبل حرب 1967. عند منتصف الخمسينيات كانت الصيحات المضادة للاستعمار والمضادة للعنصرية في قمة باندونغ والدعوة الأفريقانية لجمال عبدالناصر وكوامي نكروما قد ملكت زمام السود الأمريكان. وقد تقرب النظام الناصري للأفارقة الأمريكان المضطهدين في "الديمقراطية البيضاء الناصعة" للولايات المتحدة ب: "تحيات للزنوج الأحرار من مصر الحرة، ومن كل الرجال الأحرار" (9). وبعد حرب السويس 1956، أصدر دو بويس قصيدة يقرع فيها إسرائيل لخيانتها الاضطهاد التاريخي لليهود ولمن يخصها من "المقتولين والمستهزأ بهم، والمنبوذين"، ومهللا ل"اليد السوداء العظيمة لقوة ناصر" (10). وكان مالكولم إكس في شبابه يرى أن اللعبة السياسية للصهيونية ويهود الشتات هي النموذج ليتبعه الأفارقة الأمريكان، ولكن وكما يلاحظ واحد من كتاب سيرته الشخصية "ومن المثير أنه بعد قيامه بزيارة لا يعلمها الكثيرون إلى وطن فلسطين في قطاع غزة عام 1964، توقف مالكولم عن اتخاذ إسرائيل نموذجا، ومستخدما تشبيها صينيا بدلا منها"(11). وقد اجتذبت القومية العربية الكثير من الأفارقة الأمريكان في بدايات الحرب الباردة. "لدينا شخصية متفردة ونادرة في شخص جمال عبدالناصر"، هكذا صرح واحد من خطباء الشارع في هارلم عام 1955." هذا الرجل من أصول أفريقية وعربية، لكنه يرفض أن يتبع الطريق التقليدي لتمجيد تفوق العرق الأبيض عبر استغلال الشعوب السوداء... لقد جعل من حرية أفريقيا أولوية قصوى مع الوحدة العربية والتعاون الاسلامي" (12).
وسرعان ما أدرك الرئيس هاري ترومان أن العرقية في أمريكا هي "كعب أخيل" في إطار الحرب الدعائية مع الاتحاد السوفيتي وحلفائه، الذين يستخدمونها – أي العرقية – لفضح المعايير الأمريكية المزدوجة بشأن حقوق الانسان، ولزعزعة مكانة الولايات المتحدة بوصفها قائدة "العالم الحر". ولمناهضة الدعاية الشيوعية حول العنصرية الأمريكية، قامت وزارة الخارجية بإرسال الرياضيين والفنانين السود البارزين سفراء للنوايا الحسنة في جولة للشرق الأوسط. وفي عام 1956 قام كل من ديزي جيليسبي ولويس أرمسترونغ وغيرهم من "السفراء" بزيارة لبنان وسوريا وتركيا وإيارن وباكستان، ومؤدين لعدة عروض بهدف إظهار أنه يمكن للأفراد من أي عرق في أمريكا أن يحققوا النجاح.
لكن شعبية الاسلام والثقافة العربية وسط السود الأمريكان واصلت نموها بلا انقطاع، الأمر الذي أزعج عددا من القوميين السود والمسيحيين السود الذين كانوا مرعوبين من أن مئات الألوف من الأفارقة الأمريكان قد تحولوا لديانة وافدة. كان الاسلام محاطا بنظرة الارتياب بين سود أمريكا منذ عهد الاسترقاق عندما كان الأرقاء المسلمون - وأكثرهم لا أميون يكتبون بالعربية – ينعتون بال"المغاربة" أو "العرب"، ويتقلدون مناصب ذات سلطة مثل "خدم المنازل" أو "سائقين" مشرفين على غيرهم من الأرقاء غير المسلمين (13). منذ أيام المزارع نشأت النظرة عن الأرقاء المسلمين بأنهم أناس مترفعون ويخجلون من أن يكونوا أفارقة، وربما حاولوا أن "يتظاهرو" بشكل "عربي" أو "مغربي" من أجل أن ينالوا معاملة أفضل من الرجل الأبيض. وقد عكس تلك النظرة بوكر تي واشنطون في مذكراته "عاليا من الاسترقاق"، عندما سخر من كيف أن "رجلا ذا بشرة سوداء ... من مواطني المغرب" قد سمح له بدخول "فندق محلي" بينما حرم هو "الزنجي الأمريكي" (14). انتعشت هذه المخاوف في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي عندما كسبت جماعات "المعبد العلمي المغربي" و"أمة الاسلام" أتباعا من أهل الحضر ممن لبسوا الجلابيب والعمائم ثم نعتوا أنفسهم "المورسكيين" و"العرب" و"الآفروآسيانيين".
ومما عضد الاعتقاد بأن التحول للاسلام مثل شكلا لل"تظاهر" حقيقة أن أن كثيرا من الأفارقة الامريكان الذين اعتنقوا الاسلام لم تتم معاملتهم بطريقة "جيم كرو". وكما في إشارة ديزي جيليسبي المشهورة، فإن كثيرا من عازفي الجاز الذين تحولوا للاسلام وتسموا بأسماء اسلامية أصبح بميسورهم أن يدخلوا مطاعم "البيض فقط"، بل تمكنوا من ختم بطاقات الهوية الاتحادية بكلمة "أبيض". وكما قال جيليبسي (انهم يقولون "ياصاح، اذا انضممت للديانة الاسلامية، فأنت لست ملونا بعد، ستصبح أبيض،" احصل على اسم جديد، ولايتوجب عيك أن تظل زنجيا) (15). لقد صدم نمو التأثير الاسلامي في أمريكا السوداء في خمسينيات القرن الماضي ليبراليين كبارا مثل ثورغوود مارشال، والذي أشار في عام 1959 ل(أمة الاسلام) بكونها "تدار بحفنة من الفتوات جندوا من السجون والمعتقلات ويمولها – وأنا متأكد – ناصر أو بعض الجماعات العربية" (16).
كانت شعبية دعوة مالكولم إكس – بأن الكونية الاسلامية هي الاجابة على العنصرية والاستعمار الغربيين - تجذب نقادا أبعد من المجتمع الأفريقي الأمريكي. في عام 1971 كتب برنارد لويس أنه بالرغم من أن "مالكولم إكس كان ملاحظا حساسا ودقيقا.... فإن المعتقدات الاسلامية التي اكتسبها حالت بينه وبين أن يدرك الايحاءات الكاملة ل(زخرفة الألوان) التي رآها " في العالم الاسلامي. خلافا لكونه "يوتوبيا من التداخل العرقي"، يحاجج لويس، فإن قراءة سريعة ل(الف ليلة وليلة) تظهر "جودة بمستوى ألباما" و"تأثيرات من الجنوب [الأمريكي]" في الحياة العربية. [ألباما خاصة والجنوب عامة هما معقل العنصرية الأمريكية – المترجم]. وشهدت نفس السنة إصدار كتاب تشانسيلور ويليامز (دمارالحضارة الأفريقية)، والذي سيبرز فيما بعد بوصفه واحدا من النصوص المؤسسة لحركة المركزية الأفريقانية. ويكتب ويليامز كيف أنه ومنذ ايام فراعنة مصر حاول العرب أن يغزوا أفريقيا، وكيف أن النوبيين والأثيوبيين تصدوا بجسارة لمجهود "العرب الآسيويين" البيض الساعين لتدمير الامبراطورية السوداء الوحيدة والتي كانت في أصلها تتمدد من سواحل البحر الأبيض المتوسط وحتى زيمبابوي (18).
وحديثا جدا ظهر واحد من مفكري المركزية الأفريقانية المرموقين، وهو موليفي آسانتي، الذي ادعى بأن الغزوات العربية الاسلامية لمصر زعزعت استقرار كل القارة الأفريقية: "كان العرب، بجهاداتهم أو حروبهم المقدسة، حريصين على تدمير معظم الثقافة (المصرية) القديمة"، لكن القساوسة المصريين الهاربين تفرقوا عبر القارة ناشرين المعرفة المصرية (19). وبمعرفة كراهية العرب التاريخية للسود وبمعرفة خطيئتهم بتدمير حضارة وادي النيل الأصيلة، فإن المركزيين الأفريقانيين يعارضون بشدة اتجاه الأفريقيين الأمريكيين لاعتناق الاسلام ناظرين اليه بوصفه تناقضا. وكما في كلمات واحد من النقاد عن المركزيين الأفريقانيين فإن اعتناق الأفريقيين الأمريكان للاسلام هو "هرطقة ثقافية" و "كراهية للذات من المتشبهين الذين تحركوا من مؤخرة البص إلى ظهر الجمل" (20).
يتردد هذا المفهوم عن العرب - بوصفهم غزاة دمروا الحضارة الأفريقانية وطردوا سكان شمال أفريقيا الأصليين إلى جنوب الصحراء – بصورة عبثية من علماء أفريقيين موثرين ومن علماء الشتات الأفريقي، بالرغم من وجود دليل بنقيض ما يقولون. ووفقا لهذه الرؤية فإن سكان شمال أفريقيا الحاليين من السحنات الأقل سوادا ليسو "أصليين"، وانما هم أحفاد للغزاة والمسترقين أو للأسوأ هم مجرد طبقة هجين تم استغلالهم لاضطهاد الشعوب السوداء الأصيلة. ولكن معظم العلماء يعترفون بأن شماليي أفريقيا كانوا دائما خليطا من السحنات، ولا يقوم دليل على أنه كان هناك سود استأصلهم الغزاة. وكتب واحد من الجغرافيين البارزين "لم يكن الأمر أن العرب حلوا جسديا محل المصريين. بل بدلا من ذلك تم تحويل المصريين بواسطة أعداد بسيطة من المهاجرين الذين جلبوا أفكارا جديدة والتي عندما انتشرت خلقت هوية إثنية أكثر سعة" (21). ويعتقد مؤرخ آخر أن أدلة الهياكل العظمية والصور التاريخية القديمة "تظهر النوبيين القدماء بوصفهم أفريقيين بصورة جذرية مطابقين لنظرائهم من العصر الحالي"، وهو يرى أن ظهور العرب "أنتج تأثيرات لغوية ودينية وثقافية قوية لكنه .... لم ينتج تأثيرا كبيرا على ملامح الناس"(22). وحتى الشيخ أنتا ديوب، جد مؤرخي الدعوة الأفريقانية، قد سمى فكرة أن العرب قد تسببوا في نزوحات عرقية ضخمة ناحية أفريقيا جنوب الصحراء بأنها مجرد "خيط من الخيال".

 تعليق على الموضوع
عنوان التعليق    
كاتب التعليق    
العنوان الإلكتروني    
   
نص التعليق
إضافة تعليق 
 

 التعليقات
 
1
 

 صور متعلقة
لا توجد صور مرفقة
 

 اقرأ أيضا في: متابعات
-